الرئيسية / المواد العلمية / المبانـــي الأثريـــة / نشأة البناء وتطوره في مصر القديمة

نشأة البناء وتطوره في مصر القديمة

بنظرة سريعة على فن العمارة المصرية القديمة نجد أنه على مدى آلاف السنين شهدت أرض مصر نشاطاً معمارياً متواصلاً مارسه الأجداد بدأب وعبقرية وتركوا لنا تراثاً، يحق لنا أن نفخر به من أنواع المباني المختلفة التي كانت تلبي احتياجات المجتمع في مراحل التاريخ المتعاقبة التي شهدت أيضاً تنوعاً في تقنيات البناء Building Techniques تبعاً لظروف كل عصر وإمكاناته واحتياجاته.
و بالعودة إلى بدايات نشأة و استقرار الإنسان الأول في العصور الآركية و ارتباطه بالمكان و تخليه عن الترحال بحثا عن طعامه، و معرفته بأصول الزراعة و إنتاجه لمتطلباته من المأكل و الملبس. نجد أن أنظاره اتجهت أيضا في نفس الوقت إلى البحث عن المأوى الذي يقيه من قسوة برد الشتاء و قيظ الصيف. و كانت للبيئة دورا فعلا في توجهاته و ممارسته مما أكسبته خبرة كبيرة في اختيار مأواه. ففي البيئة الصحراوية اتجهت أنظاره إلى عمارة الصحراء من كهوف و فجوات في الجبال عمل على تمهيدها لتكون معدة للسكنى. أما في بيئة الوديان و الأحراش و المستنقعات، فكان توجهه إلى إنشاء الأكواخ متأثرا بالبيئة الزراعية و مفرداتها من أشجار و أعشاب و خوص في بناء هذه الأكواخ.
إن العمارة في أي مكان أو زمان تأتي معبرة عن ظروف البيئة التي تنشأ فيها و عن الفكر الدنيوي و الديني لهذه الأمة أو تلك . كما تعتبر مرآة صادقة تعكس الإمكانات الإقتصادية و القدرة الإدارية بالإضافة إلى الخبرة البشرية. و بنظرة عامة على طبيعة الأرض المصرية سوف يتضح أن الجزء الأصغر منها عبارة عن شريط ضيق صالح للزراعة يمتد بامتداد مجرى نهر النيل على كلا ضفتيه. أما الجزء الأكبر فهو أرض صحراوية تتخللها بعض الهضاب و المرتفعات. و قد أمدت الهضاب والمرتفعات العمارة المصرية بأنواع مختلفة من الأحجار الجيرية، و الرملية، و الرخام، و الألبستر، و البازلت و الجرانيت و غيرها. كما وفرت الأرض المصرية رواسب نهر النيل من طين و طمي لصناعة الطوب اللبن. أما الأخشاب، فلم ينبت في الأرض المصرية منها سوى أنواع من الأشجار التي لا توفر الخشب الجيد بقدر ما توفر خشب يصلح لأغراض بسيطة في العمارة و للوقود مثل شجر الجميز و السنط و الدوم و النخيل. و كانت الأخشاب الجيدة تستورد من لبنان مثل خشب الأرز.
و كما هو معلوم يوجه المناخ السائد في البيئة التصميم المعماري كعامل مؤثر في العمارة من حيث اللجوء إلى البساطة أو التراكب في التصميم، و الاكتفاء بالضوء الطبيعي الناتج عن فتحات الأبواب و النوافذ أو اللجوء إلى فتحات في الأسقف أو إقران أفنية داخلية و ردهات مكشوفة. و كان للمناخ في مصر دورا كبير في بساطة العمارة المصرية القديمة حيث كان المناخ مستقر إلى حد كبير فدرجات الحرارة معتدلة أغلب فصول السنة باستثناء فصل الصيف بصعيد مصر. كما تشتهر مصر بندرة الأمطار و خصوصا على صعيد مصر و سطوع الشمس على امتداد أيام العام . مما جعل سمك الجدران المشيدة من الطوب اللبن معبرا عن الحرص على تحقيق التوازن بين درجات الحرارة في الداخل و الخارج . كما أدت ندرة الأمطار إلى أن تأتي السقوف مسطحة، و أدى ارتفاع درجات الحرارة في الجنوب إلى عدم استخدام الطوب المحروق الذي لا يحقق الرطوبة المطلوبة داخل المبنى.
و كان للعقيدة الدينية تأثيرها الكبير على العمارة المصرية، فإيمان المصري بحياة ما بعد الموت حياة أبدية خالدة جعله يشيد منشآت الحياة الأولى المؤقتة من مادة لا تقاوم عوادي الزمن لأنه سيعيش فيها لفترة مؤقتة، و هي الطوب اللبن و لهذا نلاحظ أن ما تبقى لنا من منشآت دنيوية (المساكن، القصور) قليل جدا إذا ما قورن ذلك بالمنشآت الدينية (المعبد، المقابر) التي شيدها المصري القديم من مواد أكثر مقاومة كالأحجار الطبيعية لتعكس فكره و إيمانه بالديمومة و الحياة الأبدية بعد البعث.
و جاء تخطيط المنشآت الدنيوية (المساكن، المنشآت الإدارية، و العسكرية و غيرها) معبرا عن دورها الوظيفي من خلال الفكر الإداري الذي يتبناه المصري القديم و معبرا كذلك عن الوضع الاقتصادي من حيث الازدهار و الانهيار. أما تخطيط المنشآت الدينية فقد جاء معبرا بوضوح عن الدور الوظيفي الدنيوي للمنشأة من حيث عدد و حجم المناظر و النصوص المطلوب تسجيلها و من حيث كم و نوع الطقوس التي تمارس فيها.. و بمعنى أخر معبرة تعبيرا واضحا عن فكر ديني واضح و عن معتقدات و طقوس تجرى في هذه المنشآت.
و يجئ دور الإنسان من خبرة إدارية و فنية ليؤثر على توجهات العمارة، و من حسن حظ مصر أن أمتلك الإنسان المصري مقدراته فكان منه الإداري و المهندس والفنان و البناء و الحجار و غيرهم من المهن و الحرف التي ارتقت بعمارته إلى ما نشاهده اليوم . الإنسان المصري القديم الذي أمتلك صبرا شديدا و إرادة لا تلين للوصول بأهدافه إلى درجة أقرب ما تكون إلى المثالية. و بنظرة فاحصة على ما تركوا لنا من عمائر و فنون سوف يتأكد لنا حرص المصري على أداء عمله و إنجازه بإتقان شديد من خلال استفادته من كل التجارب السابقة و من خلال ما اكتسبه من مهارات عبر العصور. و لدينا عشرات الأمثلة، فالشكل الهرمي للمقبرة لم يصل إليه الإنسان إلا بعد مئات السنين من الممارسة و الصبر و حسن الإدارة و قوة الاقتصاد و الفكر الديني الواضح.
و يمكن تقسيم العمارة المصرية القديمة من حيث الدور الوظيفي إلى نوعين :
o    عمارة دنيوية : أي تلك التي تخدم أغراض الحياة الدنيا مثل القصور، و المساكن، و المنشآت الإدارية، و المنشآت الخدمية، و المنشآت العسكرية كالقلاع و الحصون و الأسوار و الأبراج .
o    عمارة دينية : أي تلك التي تخدم أغراض الحياة الأخرى مثل المعابد و المقابر و المقاصير..الخ.
لعب التطور دوره في عمليات البناء و التشييد في كلا البيئتين الصحراوية و الزراعية، ففي البيئة الأولى تأثرت نشأة البناء في الشكل و المضمون بالبيئة الصحراوية و الجبلية في دروبها و ممراتها بعمل أنفاق و فتحات صخرية لدفن موتاهم. و أمتد هذا التطوير في بدايات الحضارة المصرية القديمة بمحاكاتهم للتلال الصخرية في بناء مقابرهم ذات الشكل الهرمي ليمتد التطوير في عمارة الصحراء خلال الحضارة الفرعونية. أما عن البيئة الزراعية و الوديان فنجد أن البناء نشأ و تطور داخل مصر في مراحله الطبيعية تباعا، فبدأ فيما يبدو ببناء الأكواخ البسيطة مستخدما لهذا الغرض الخوص والقش و أغصان النخيل، تلي ذلك “لياسة” الطمي على سطوح هذه الأكواخ، وانتقل منها إلى استخدام كتل الطين غير منتظمة الشكل “الجواليص” في تحديد جوانب غرف السكن وجوانب حفر المقابر، وانتهى إلي استخدام قوالب في شكل متوازي مستطيلات في بناء البيوت و بناء حجرات الدفن وكذلك عمائر المعابد في فجر التاريخ أو ما يسمى عهد بداية الأسرات.
تضمنت كل مواقع الاستيطان في مصر من عصور ما قبل التاريخ و على امتداد التاريخ المصري القديم مدينة للأحياء و أخرى للموات، و إذا كانت شواهد مساكن الأحياء لا تكاد تذكر قياسا بمدينة الأموات للأسباب التي ذكرت في الفقرات السابقة، إلا أنه لا بأس من الإشارة في عجالة إلى بعض ما تبق من مساكن للأحياء و كذلك ما حفظ في المتاحف من نماذج يوضح تصميم المنزل في مصر القديمة.

 

 

 

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

عمارة الهرم الأكبر

أختار الملك “خوفو” 2551 : 2528 ق.م.الذي خلف والده سنفرو هضبة الجيزة ليشيد فيها هرمه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *