مقدمة

يعتبر التراث المعماري ركيزة أساسية من ركائز قياس و تقييم تحضر الشعوب القديمة و المعاصرة على حد السواء، ذلك لما للعمارة كشواهد مادية قائمة من قيمة فنية و تاريخية و ما تشكله من مردود إيجابي في وضع النظريات الهندسية و تاريخ تطور هذه النظريات و تطبيقاتها العملية.
و كما لعب الموقع الجغرافي المتميز لمصر دورا كبيرا في توجيه شبكة طرق القوافل و النشاط التجاري بين الأمم قديما على الصعيد الإقتصادي . نجد أن فن العمارة المصرية لعب أيضا دوراً بالغ الأهمية في توجيه حركة عمارة الأرض و التراث المعماري على الصعيد الثقافي و الحضاري، لما تعكسه من أضواء على علاقتنا الخارجية و نظرة شعوب العالم لشواهد الحضارة المصرية القديمة كتراث إنساني يجب المحافظة عليه. مما دعا لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو إدراج خمسة مواقع أثرية بمصر ضمن قائمة التراث العالمي وهي منف القديمة و جبانتها، طيبة القديمة و جبانتها، معابد النوبة من أبي سنبل حتى فيلة، القاهرة الإسلامية و الأطلال المسيحية في أبي مينا. و يواكب هذه الرؤية سعيا حثيثا من جانب المسئولين و المهتمين بالآثار نحو تحديد أفضل الوسائل و السياسات التي من شأنها إكساب هذا التراث ما يستحق من تفخيم يدفع بخطط التنمية السياحية إلى الأمام. لذا كان من الواجب تفعيل دور الأثار و المحافظة عليها قدر المستطاع بإعادة تأهيل المنشآت الأثرية واستثمار هذا التراث الذي يعكس تجربة الإبداع الفكري للمجتمعات الإنسانية القديمة عبر العصور الحضارية المختلفة .
كان لظاهرة تصدع المنشآت الأثرية و التاريخية بأنواعها المختلفة من سكنية أو إدارية و خدمية أو دور عبادة أو حصون حربية أو منشآت مائية…إلخ بالغ الأثر في توجيه محاولات الصيانة و الترميم لهذه المنشآت منذ أمد بعيد. بداية بولع علماء الحملة الفرنسية بدراسة الأثار و توثيقها عام 1798م إلى صدور قرار لأول مرة بجمع الآثار المصرية القديمة عام 1858م و تخصيص مكان لها في بولاق و كان هذا أول متحف حفظت فيه الآثار المصرية – الفرعونية-. تبع ذلك صدور أمر عالي بشأن حماية الآثار عام 1897م ثم تبعه صدور القانون رقم 14 لعام 1912م الخاص بالآثار المصرية القديمة “الفرعونية”.
أما الآثار الإسلامية فيرجع الأهتمام بصيانتها و ترميمها و جمعها و المحافظة عليها ( بخلاف ما حظيت به من اهتمام في فترات العصور الإسلامية الوسيطة)(1) إلى أهتمام فرنسوا جومار أحد العلماء المصاحبين للحملة الفرنسية على مصر بين عامي 1798 و 1801م بالقاهرة الإسلامية و وضعها جنبا إلى جنب مع أهرامات الجيزة و غيرها من الآثار الفرعونية. أما في التاريخ الحديث فلقد حظبت الآثار ببعض الأهتمام من الحكومات المتعاقبة، ففي سنة 1881م و هو العام الذي صدر فيه قانون بتشكيل – لجنة حفظ الآثار العربية- من جماعة محبي فنون العمارة العربية تحت رئاسة وزير الأوقاف و بدأت اللجنة عملها سنة 1882م ، و قد حدد القانون أختصاص هذه اللجنة في ” جرد و حصر الآثار العربية التي تكون فيها فائدة صناعية أو تاريخية ، و في صيانة هذه الآثار و رعايتها و حفظها من التلف و عمل الرسومات و التصميمات اللازمة لترميمها و ملاحظة تلك الترميمات”. و في عام 1918م صدر القانون رقم (8) الخاص بحماية آثار العصر العربي الذي نص على حماية الآثار العربية منذ الفتح العربي لمصر و حتى وفاة محمد علي للآثار ذات القيمة الفنية أو التاريخية. وفي عام 1936م نقلت تبعية لجنة حفظ الآثار العربية لوزارة المعارف و أطلق عليها اسم- إدارة حفظ الآثار العربية- . و ظل العمل ساريا بقانون عام 1912م فيما يتعلق بالآثار المصرية القديمة – الفرعونية- و بقانون 1918م فيما يتعلق بالآثار العربية إلى أن صدر قانون رقم 215 لسنة 1951م الذي شمل حماية الآثار جميعها في مختلف عصورها إلى نهاية عصر إسماعيل . و مرة أخري انتقلت تبعية – إدارة حفظ الآثار العربية- إلى مصلحة الآثار عام 1953م ، و في عام 1957م نقلت إلى وزارة الثقافة و الإرشاد القومي ثم وقف عملها كلية بصدور القرار الجمهوري رقم 2828 لسنة 1971م بإنشاء هيئة الآثار المصرية لتكون هي الجهة المسئولة عن حماية و صيانة الآثار في مصر. و في عام 1978م قامت منظمة اليونسكو بضم القاهرة الإسلامية إلى قائمة التراث العلمي توالت بعده بعض الجهود الدولية و المحلية في مجال عمل دراسات و اجراء الترميمات على أثار منفردة. وفي عام 1983م صدر القانون رقم 117 الخاص بحماية الآثار في مصر. و لقد تكاملت مع هذه القوانين، القرارات و القوانين الخاصة بأعمال البناء و التخطيط العمراني بصدور القرار الوزاري رقم 250 لسنة 1990م في شأن تحديد ارتفاعات المباني في بعض مناطق القاهرة التاريخية ، و قانون التخطيط العمراني رقم (3) لسنة 1991م الذي نص على وضع اشتراطات خاصة بالمناطق التاريخية و السياحية و الأثرية بما يكفل الحفاظ عليها.
و بنظرة عامة يمكن القول أنه على مدار الأعوام الخمسين الماضية ، تعرضت المباني الأثرية بالقاهرة لمختلف أنواع التدهور التي لم تكن معروفة من قبل بسبب العديد من العوامل التي تعجل من تلف و تدهور هذه المباني و التي يمكن حصرها في الأتي :

أ- أرتفاع منسوب المياه تحت السطحية                    ب- خلل في البنية التحية التي تنوء بأحمالها
جـ- ارتفاع الكثافة السكانية في أحياء القاهرة القديمة     د- عدم القيام بمتابعة و صيانة الآثار القائمة
هـ- غزو وسائل النقل الحديث لقلب المدينة القديمة    و- استخدام المباني الآثرية للإيواء الإضطراري
ز- التعديل الذي أجرى على كثير من التصميمات الأصلية ليتناسب الفراغ المستغل مع نوع نشاط قاطن الأثر
و في عام 1992م تبين بجلاء مدى ما ألت إليه حالة الأثار و ما تحتويه من كنوز لا يمكن بأي حال تعويضها بعد أن تعرضت مصر لضرب زالال اكتوبر 1992م و الذي أبرز الأهمال التي تعرضت له الآثار الإسلامية بالقاهرة في الفترات الأخيرة. زادت هذه الظاهرة خلال السنوات القليلة المتعاقبة على الزلزال لعدم وجود سياسات واضحة للتعامل مع هذه النوعية من العمائر ذات القيمة التاريخية و الفنية و عدم وجود كوادر مؤهلة بشكل منهجي بالعدد الكافي الذي يمكن صانع القرار من البدأ في أعمال الترميم و الحفاظ على هذه الثروة القومية. فضلاً عن عدم وجود دراسات أو أقسام أكاديمية تهتم بدراسة النظم المعمارية القديمة و مواد إنشائها لبناء قاعدة من البيانات أو المنفذين الأكاديميين الملمين بالفلسفة الهندسية لهذه الفرعية من الآنشاءات متمثلة في مباني الحوائط الحاملة Load-bearing Wall System .
لقد كانت أعمال الترميم و الصيانة تتم في السابق كما أشرنا وفقا لمحاولات فردية أو استناداً على بعض المرممين الأجانب المرافقين لبعثات الحفائر الأجنبية ، حيث ركزت معظم هذه المحاولات على الحفاظ على الأثر دون الربط بينه و بين المحيط البيئي من حوله و هو ما أصطلح على تسميته الآن بطريقة الحفاظ على أثر واحد. ومن المشكلات التي كانت تواجه هذه الطريقة ما يلي :
•    عدم التخطيط لأعمال الحفاظ على الآثار وفقا للحالة الإنشائية و المعمارية للأثر و تفاوت درجات الخطورة
•    عدم التخطيط لأعمال الحفاظ على الآثار وفقا للأولويات أهمية الأثر و مدى تعرضه للخطورة
•    عدم توافر كوادر مؤهلة و خبيرة للتعامل مع هذه النوعية من المباني
•    عدم توافر كودات مصرية لأعمال الترميم و الإصلاح و إعادة التأهيل و اشتراطات التنفيذ و المواصفات القياسية الخاصة بحدود القبول و الرفض لمواد الترميم
•    تراجع دور البحث العلمي في استنتاج و استنباط المواد الأصيلة التي استخدمت قديما في أعمال التشييد و البناء و التي توفر أهم مبدئ في أعمال الترميم و هو تجانس الوسيلة بين أساليب التشييد القديمة و أعمال الترميم الحديث
•    إهمال الحالات التي تم ترميمها بشكل منفرد و عدم تأهيلها للإستخدام ثانية مما أفقدها عنصر الصيانة الدورية أدى ذلك إلى إرتدادها إلى حالة ماقبل الترميم

 

 

 

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

عمارة الهرم الأكبر

أختار الملك “خوفو” 2551 : 2528 ق.م.الذي خلف والده سنفرو هضبة الجيزة ليشيد فيها هرمه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *