مباني الإيواء و السكنى

تمثلت مواقع الإستيطان في الشريط الضيق الموازي لمجرى نهر النيل في عصور فجر التاريخ حيث اكتشفت نماذج لأطلال مساكن من حضارة مرمدة بني سلامة، البداري، و نقادة و غيرها و يحتفظ المتحف المصري و غيره من المتاحف بنماذج من الطين لمساكن من هذه الفترة. و إن كانت هذه المساكن لا تتعدى تجمعات صغيرة في شكل نجوع أو قرى مصغرة. إلا انه بدأت تظهر التجمعات الكبيرة في شكل قرى رئيسية أو حتى مدن صغيرة في عهد الدولتين القديمة و الوسطى، التي نرى أفضل نماذجها قرية اللاهون ، التي تبلغ مساحتها حوالي 350 ألف م2 يحيط بها سور سميك من الطوب اللبن، و كانت مقسمة إلى أحياء وتفصل بين البيوت شوارع ضيقة. حيث فصلت منازل العمال “طبقة الفقراء” المؤلفة من غرفة صغيرة متواضعة، عن منازل الموظفين “طبقة الأغنياء” المؤلفة من عدة غرف. لتشكل كل كتلة سكنية حياً خاصاً ، في حين ارتفع قصر الحاكم و برز واضحا في حي الموظفين. و اعتمد المصري القديم على مادة الطين لعمل اللبنات المجففة بنشرها في مواجهة أشعة الشمس و استعان بالأخشاب كعناصر أساسية في البناء. و طليت الجدران باللون الأبيض من مستحلب الجبس، و دلكت الأرضيات بالطين. و من خلال تصوير هذه المنازل التي لم يبق منها شئ قائم على أرض الواقع سوى ما صور على جدران المقابر التي تمثل المنزل المصري القديم نجد أن بعض البيوت كانت تتألف من طابقين.
أما في عهد الدولة الحديثة فلقد ظهر التطور الحضاري في بعض تفاصيل المنازل و إن كانت المدينة في هذه الفترة لا تختلف كثيرا في تخطيطها عن مدينة اللاهون من الدولة الوسطى . و تعطي مدينة العمارنة مثالا لمدن الدولة الحديثة الذي تطور تصميم منازلها، حيث يظهر لأول مرة في منزل أحد كبار الموظفين إحاطة المنزل بسور ، يفصل بينه و بين مساكن العمال عن رب العمل أو رب البيت ، و خصصت حظائر للحيوانات و أقيمت الحمامات المبلطة بالأحجار الطبيعية. و وضح من نماذج المنازل في هذه الفترة إنها مقسمة إلى ثلاثة أقسام أحدهما القسم الأمامي من المنزل و هو عبارة عن المدخل و ردهة صغيرة تفتح على القسم الأوسط من المنزل المؤلف من ردهة واسعة يرتكز سقفها على أعمدة يتراوح عددها بين الاثنين و الثمانية و كانت مخصصة لانتظار الضيوف. و كانت الأعمدة من الخشب المطلي باللون الأحمر القاني و قائمة على قواعد من الحجر الجيري تحمل سقف القاعة الوسطى الذي كان أعلى من سقف الحجرات الأخرى. و تعلو الأعمدة أفاريز ملونة تكسو الكمرات الخشبية و قمم الدعائم و هي عبارة عن طبقة تكسية من المصيص الملون باللون الوردي. و استخدم المصريون الأعمدة الخشبية كعنصر إنشائي حامل للسقف، و استبدلوها تدريجياً بالدعائم و الأعمدة الحجرية التي أخذت تيجانها أشكال النخيل و البردي و اللوتس. و كانت توجد ثمة نوافذ ذات قضبان حجرية تفتح في الجزء العلوي من الجدران تضمن إضاءة القاعة الوسطى، أما الأرضيات فكانت مغطاة ببلاطات حجرية تزينها زخارف من الأزهار. و كانت قاعة الاستقبال تشغل أهم جزء في القسم الأوسط بالمنزل، و كان صاحب الدار يجلس على منصة صغيرة مبنية بالحجر و ملتصقة بأحد الجدران و أمام هذه المنصة يوجد المكان المخصص للمدعوين. أما القسم الأخر فهو عبارة عن مكان السكن الرئيسي و يتخذ شكلا مستطيلا يرتفع قليلا عن سطح الأرض. و يتمثل في القسم الخلفي من المنزل. و عادة ما تحيط مجموعة من الحجرات بقاعة متوسطة يرتكز سقفها على عمود واحد ، و هي تمثل المكان الذي يجتمع فيه أفراد الأسرة. و يلي ذلك غرفة النوم و ربما غرفة الاغتسال ، و أخرى للتزين و التعطر ، و أخيرا نجد الحمامات التي قد تزود بمقاعد ثابتة أو متحركة. و من إحدى القاعات الجانبية يرتفع سلم يؤدي إلى السطح و كان للمنزل ملحقات تضم غرف الخدم و المطابخ و الأفران و صوامع الغلال و مخزن المؤن و حظائر الماشية و الدواجن ، و محال الحرف المختلفة كمصنع الجعة ، و ورشة النجارة، و مصنع الغزل و النسيج ..الخ . و لقد درست اتجاهات مواقع أفران الخبز و المطابخ بشكل يتيح للرياح الشمالية بحمل أدخنة نار الوقود بعيداً عن غرف المنزل.
كما تعطينا المناظر الممثلة على جدران بعض المقابر فكرة عن الحديقة التي كانت تقع عادة أمام واجهة الدار. هذه الحديقة تتخذ شكلا منتظما يتوسطها حوض مستطيل الشكل تسبح في مياهه الأسماك ذات الألوان الزاهية و تزدان حوافه بأوراق شجر عريضة و أزهار اللوتس . و يحف بالحديقة ممرات متعاقبة تقوم فيها أشجار الجميز و النخيل و الرمان . و تضم الحديقة جوسق أو هيكل صغير للاسترخاء أو الجلوس ، و كثيرا ما كانت تكعيبات العنب التي تضفي جو من التنوع يقطع الرتابة الجاثمة على صفوف الأشجار التقليدية.
أما دور العامة و التي كانت توجد في المناطق السكنية المزدحمة ، فكانت تتكون من قبو و طابقين للسكن، منهما الطابق الأرضي ، و كثيرا ما كان يوجد فوق السطح حجرة أو حجرتان صغيرتان تشكلان ما يشبه الطابق الثالث. و خصص الطابق العلوي للسكن الخاص حيث يضم غرف النوم و ملحقاتها. أما السطح فكان يضم حجرات صغيرة لأغراض منزلية مختلفة، و كان بعضها مخصصا لقضاء الأمسيات و التمتع بالجو الجميل. و كان السلم عند أدنى مستوى في المنزل ، و كان ينتهي عند السطح تحت سقيفة مائلة على شكل مظلة. و كانت واجهة المنزل تزين بعناصر زخرفية، و ضمت بعض المنازل حديقة صغيرة بها سلم له درج يؤدي إلى الدور الأرضي المرتفع قليلا.
و من خلال ما صور على جدران المقابر و المعابد و غيرها من مناظر تمثل مساكن المصريين القدماء، فإنه يبدو واضحا اهتمام المصري في حالات كثيرة بالمساحات الخضراء في منازله و حولها، و كانت بعض المساكن تتضمن حدائق خاصة بها، كما أبدى المصري اهتماما بتهوية المنازل و استخدم نظاما لصرف المياه.

picture1

لوحة رقم (1) توضح 1تصميم المنزل المزود بحديقة ، 2 منظر جداري لكيفية نحت التماثيل الضخمة، منظر جداري لواجهة قصر مزين بالكورنيش المصري، 4 منظر جداري يوضح أعمال البناء وضبط زوايا الحوائط في مصر القديمة.

picture2

لوحة رقم (2) توضح الشريط الضيق الملاصق لمجرى النيل الذي نشأت عليه المدن في مصر القديمة،العليا حفائر مدينة تل العمارنة ، حفائر مدينة عمال دير المدينة بالقرنة بالأقصر

picture3

لوحة رقم (3) توضح منازل قرية القرنة و مدى تأثر طراز البناء بالدور الفرعونية بالبر الغربي – الأقصر

 

 

 

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

عمارة الهرم الأكبر

أختار الملك “خوفو” 2551 : 2528 ق.م.الذي خلف والده سنفرو هضبة الجيزة ليشيد فيها هرمه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *