الآثار المدفنية

و إن كان قد توقف التطور بالنسبة لبناء مساكن الإيواء أو المنازل عند هذا الحد في العصور الفرعونية ليستكمل مسيرته باستخدام الطوب المحروق في الحضارات المتعاقبة على حضارة الفراعنة، إلا إنه استمر التطوير بالنسبة للمباني الجنائزية حيث استبدلت لبنات الطوب اللبن بكتل من الأحجار الطبيعية حتى يتثنى لها البقاء و الدوام بما يخدم المعتقدات الدينية للمصري القديم، و منذ تلك اللحظة أصبح استخدام الأحجار الطبيعية في العمارة التي تخدم المعتقدات الدينية كالمقابر و المعابد أمرا حتميا .
كان إيمان المصري القديم بحياة ما بعد الموت .. حياة أبدية خالدة لا موت بها دافعا له لكي يتخذ كافة الوسائل للحفاظ على جسده سليما حتى يمكن للروح – عندما يحين موعد البعث – أن تدب فيه فتبعث فيه الحياة. لهذا رأيناه عبر العصور الفرعونية يهتم بالحفاظ على جسده و بوضعه في تابوت و دفنه في مقبرة ملائمة تزخر جدرانها بمناظر دنيوية و دينية و كل مقومات المعتقدات الدينية من تماثيل و موائد قرابين و لوحات و أبواب وهمية …الخ. و لقد أطلق المصري القديم على مقبرته “بر-جت” أي بيت الأبدية ، و لهذا نراه يشيد مقابره من مادة حجرية صلبة قوية تقاوم عوامل الزمن ، على حين يشيد مساكن دنياه من الطوب اللبن، و لهذا اختفت معظمها و بقيت مقابره شاهدة على حرصه على الخلود. و اختار تربة جافة في الأرض الصحراوية لبناء مقابره ضمانا لعدم فناء الجسد … و بمرور الزمن أخذ ينقر مقابره في الصخر تحقيقا لنفس الغرض. و منذ العصر الحجري الحديث بدأت ملامح المقبرة تتضح ، فقد كانت عبارة عن حفرة بسيطة بيضاوية أو شبه مستديرة تحفر في إطار مساكنهم أو في جبانة مستقلة خارجها. و كان الجسد يلف في حصير أحيانا أو يوضع في تابوت من أعواد النبات أو أغصان الأشجار. و بعد أن يهال عليه التراب بعد الفن كان سطح المقبرة تحدد ببعض الأحجار كعلامة مميزة. و تطور شكل المقبرة مع عصر ما قبل الأسرات من الشكل البيضاوي إلى المستطيل أو المربع، و كانت جدران المقبرة الداخلية تليس بالطين و تكسى بالبوص أو الحصير أو أغصان الأشجار.
و بدأت تظهر فكرة تخصيص مكان للدفن و آخر لوضع الأثاث الجنزي و مخازن لحفظ القرابين الأمر الذي مهد لتطور التخطيط الذي تضمن الحجرات الجانبية. و تمثل مقبرة الكوم الأحمر (هراكنبولس) و التي تحمل رقم 100 و التي تعرف كذلك بالمقبرة المرسومة ، تمثل مرحلة هامة من مراحل تطور مقابر الأفراد حيث شيدت الجدران بالطوب اللبن و كسيت الأرضيات كذلك بنفس الطوب، و ظهرت فكرة استخدام القواطيع لتقسيم الحفرة إلى عدة وحدات. هكذا بدت المقبرة مكونة من ثلاث أو خمس حجرات خصصت الوسطى منها للدفن. و شهدت أبيدوس (مركز البلينا – سوهاج) تطورا كبيرا سواء في المقابر الملكية أو في مقابر الأفراد في مرحلة الانتقال بين عصر ما قبل الأسرات و بداية الأسرة الأولى.
و الحديث عن تطور المقبرة الملكية يعني أن تكون الأسرة الأولى هي البداية حيث توحد قطرا مصر و أصبحت مملكة متحدة ساهم في إرساء قواعدها مجموعة من الحكام. و عندما استقرت تقاليد الملكية كان لابد أن تستقر أمور أخرى كثيرة من بينها فكرة المقبرة الملكية. حيث اتخذت المقبرة الملكية شكل “المصطبة” و تشبه ذلك البناء الذي يتصدر المنازل في ريف مصر و الذي يخصص للجلوس. و يشير اصطلاح المصطبة إلى الجزء الذي يعلو سطح الأرض و الذي يتكون من بناء مستطيل تتسع جدرانه من أسفل و تضييق كلما ارتفعت. و تتضمن السطوح الخارجية لهذا البناء دخلات و خرجات تعرف اصطلاحا باسم “المشكاوات” و التي يعتقد أنه كان القصد منها ناشئا من الرغبة في تأكيد الاتجاه الرأسي في مواجهة طول الجدران و تجنب الواجهات ذات المساحات الكبيرة الخالية من الجمال الزخرفي. و ربما قصد منها أيضا إحداث توازن بين الظل و النور و كسر حدة أشعة الشمس المنعكسة على العين عند النظر إلى واجهات هذه المصاطب. أما الجزء الواقع تحت سطح الأرض فيصل إليه المرء عبر فتحة في أرضية المصطبة تؤدي إلى بئر و الذي يؤدي بدوره إلى مجموعة من الحجرات خصصت إحداها للدفن و الأخرى للقرابين و الأثاث الجنزي. و كما هو ثابت تاريخيا فإن ملوك الأسرة الأولى اختاروا لعاصمتهم موقع متوسط من أرض مصر أطلقوا عليه اسم “إنب حج” أي “الجدار الأبيض” و التي عرفت فيما بعد باسم “منف” ، ثم “ميت رهينة” و هو الاسم الذي لا تزال تحتفظ به حتى الآن (ميت رهينة – مركز البدرشين – محافظة الجيزة). و ابتداء من عام 1936 بدأ إمري يكشف عن مجموعة من المصاطب الضخمة ذات واجهات القصر في شمال سقارة و تؤرخ للأسرة الأولى، و كان الرأي السائد لفترة طويلة أنها مقابر لملوك الأسرة الأولى إلا أن الرأي الأخر ينسبها لكبار موظفي الدولة في نفس الفترة. و على أية حال فإن المصطبة الملكية كانت تتضمن غرفة كبيرة نسبيا تقع تحت سطح الأرض هي غرفة الدفن تحاط بمجموعة من الحجرات الصغيرة التي كانت مخصصة لحفظ القرابين و الأثاث الجنزي. و فيما يتعلق بالمدخل المؤدي إلى غرفة الفن فقد كان يتم من خلال السقف، و ابتداء من عهد الملك دن (الأسرة الأولى) ظهر المدخل الذي يؤدي عبر درج هابط إلى غرفة الدفن و كان مسقوفا بالخشب. و ظهر أمام الجزء الذي يعلو سطح الأرض نصبان (لوحتان جنائزيتان) من الحجر يتضمنان اسم صاحب المقبرة و أصبحا بمثابة علامة تعلو سطح الأرض لتقديم القرابين.
و عادة نتساءل، هل الأسلوب الذي شيد به المصاطب يعبر عن فكر معماري فقط أم أن من وراءه فكر ديني كذلك. يمكن القول بأنه إذا كانت المصطبة تعتبر بمثابة خطوة على طريق الشكل الهرمي الكامل للمقبرة الملكية، و إذا كان الهرم يمثل التل الأزلي أو أشعة الشمس، فكان لابد أن تجئ متضمنة شيئا من هذا الفكر الديني… و هو ما نراه واضحا في اتساع المصطبة من أسفل و ضيقها كلما ارتفعت. الأمر الذي يمثل خطوة في اتجاه الشكل الهرمي.
و المصطبة تمثل طراز من طرز المقابر المصرية القديمة و التي قد تكون حفرة أو مصطبة أو مصطبة مدرجة أو هرما أو مقبرة منقورة في الصخر. فكل هذه الطرز تقع تحت مسمى كلمة “مقبرة” . و المقبرة هي وحدة من وحدات الجبانة التي أسماها اليونانيون “نيكروبوليس” أي مدينة الموتى في مقابل مدينة الأحياء. و إذا كانت المصطبة قد استمرت كطراز لمقابر الأفراد بعد ذلك طوال الدولة القديمة، إلا أنها توقفت بالنسبة للملوك لتخطو المقبرة الملكية خطوة إلى الأمام و هي المصطبة المدرجة التي ظهرت لأول مرة في عهد الملك زوسر أهم ملوك الأسرة الثالثة. فمع بداية هذه الأسرة شهد الفكر المعماري المصري طفرة هائلة تمثلت في أمرين هما :
o    استخدام الحجر على نطاق واسع في مجموعة زوسر بعد ما كان استخدامه في مصاطب الأسرتين الأولى و الثانية قاصرا على مدخل المقبرة و الباب الوهمي و مائدة القرابين.
o    تغيير تصميم المقبرة من مصطبة مستطيلة تقليدية إلى مصطبة مدرجة (جرى العرف على تسميتها بالهرم المدرج) وهذا التغيير الذي ابتكره و تبناه إيمحتب مهندس الملك زوسر و صاحب المواهب المتعددة و الذي نال قدسية فيما بعد و قورن بإله الطب عند أهل اليونان “إسكلبيوس”.

و تسجل جبانة منف أول عمل معماري كامل من الحجر الجيري سنة 2630 – 2611 ق.م. و كان لوفرة أحجار البناء في ارض مصر اثر كبير في أن يكون الحجر هو مادة البناء الأساسية التي يلجأ إليها المصريين لتشييد مبانيهم الهامة لتصمد أمام تحدى الزمن. ومنذ أن قام إيمحوتب بتشييد مجموعة مباني المقبرة الملكية لزوسر في منف أستمر استخدام الأحجار بأنواعها المختلفة في أعمال البناء. فمع استخدام مواد بناء أخرى مثل الطوب اللبن والخشب كان الحجر بأنواعه الجيري والرملي والرخام والجرانيت والبازلت هو المادة التي يفضلها المعماريون في أعمال البناء. ومازالت بقايا بعض المحاجر المصرية القديمة في المعصرة وبنى حسن وأسوان وغيرها موجودة يمكن منها الاستدلال على الأساليب التي أتبعها المصريون القدماء في استخراج ما يحتاجون إليه من الأحجار. فلقد سجل تاريخ التحجير خلال عصور الدولة القديمة نشاطا واسعا في مجال استخراج الأحجار مما يدل على إلمام المصري القديم بالقواعد الهندسية التي لازلت تدرس حتى وقتنا الحاضر في كيفية اقتلاع الأحجار الضخمة من مكامنها سواء على سطح الأرض أو تحتها، و حفر الأنفاق العميقة في الهضاب المختلفة مؤسسين أحد أهم الفروع الهندسية الحديثة الذي يطلق عليها الآن اسم الهندسة الجيوتقنية Geotechnical Engineering

(1)

و لقد عبرت عمارة المصطبة المدرجة للملك زوسر و مكوناتها عن فكر معماري جديد و عقيدة دينية راسخة و نظام سياسي و إداري ثابت و خبرة مكتسبة من سنوات طويلة من العمل في تشييد المصاطب… كما عبرت عن محاكاة رائعة للعمارة النباتية التي خرجت من البيئة المصرية الأصيلة كحزم نبات البردي و جذوع النخيل و دلف الأبواب الخشبية و الأسوار النباتية.

و يمكنا القول بأن إيمحوتب الذي أشرف على بناء مقبرة ملكه زوسر و ملحقاتها بمنطقة سقارة ، و حاول فيها ثلاث محاولات كبيرة، و هي استخدام الحجر الطبيعي على نطاق واسع لأول مرة في الجزء العلوي من المقبرة و كذلك الوحدات الملحقة بها . و كانت المحاولة الثانية تتمثل في الانتقال بهيئة جزئها العلوي من شكل المصطبة المستطيلة التقليدي إلى هيئة الهرم المدرج. أما المحاولة الثالثة فتمثلت في محاكاة و تقليد خصائص العمارة النباتية و اللبنية التي عرفها أسلافه، في عمارته الحجرية الجديدة كنوع من التخليد للعناصر النباتية التي لا تقاوم عوادي الزمن.
احتل هرم سقارة مركزا متوسطا في مجموعة معمارية كبيرة أحاطت به و شغلت معه مساحة تزيد على 251 ألف م2 . و أحاط به و بها سور ضخم كبير بلغ ارتفاعه نحو عشرة أمتار ، و بلغ سمكه في بعض مواضعه نحو ستة أمتار . و كسا إيمحوتب هذا السور بالحجر الجيري الأبيض الأملس ، و شاد فيه نفس الدخلات الطولية الرأسية التي ظهرت من قبل في عمارة الطوب اللبن “المشكاوات” ، بعد أن زادها في العمق و السعة بما يتناسب مع ضخامة بنائها و مادة بنائها. و حققت هذه الدخلات لعمارتها الجديدة غرض الزخرف كاملا، فقللت حدة الاستقامة المطلقة في الواجهة الضخمة للسور و سمحت تضاعيفها الداخلية بتعاقب النور و الظل بين الجوانب و السطوح، و قللت شدة انعكاس أشعة الشمس على سطح السور الأبيض المصقول. و تضمن السور في واجهته ثلاثة عشر مدخلا لم ينفتح منها غير مدخل واحد استقبل مشرق الشمس و الأرض المنزرعة و بقيت المداخل الأخرى رمزية مغلقة. و بدأ المدخل بباب مفتوح على مصرعيه كأنما يرحب بالوافدين، لولا أنه باب من حجر قلد في بتاءه تفاصيل الأبواب الخشبية العادية. و يفضي الباب إلى البهو الكبير و هو بهو طويل تحف به الأساطين الحجرية التي تقلد حزم الغاب، و هي أساطين رقيقة في بنائها و في مظهرها تستند على دعائم خلفية و تتخذ هيئة انسيابية يقل سمكها من أسفل إلى أعلى، تزينها في أعلاها تيجان على هيئة أوراق الشجر العريضة المقلوبة، و يعلوها السقف ذو الجذوع الحجرية. و ينتهي البهو بقاعة تطل على فناء الهرم الكبير و ترفع سقفها ثمانية أساطين يصل بين كل أسطونين منها جدار خفيض. و تضمنت مجموعة سقارة ست عمائر دنيوية و دينية بخلاف الهرم و السور، فأطلق إيمحوتب و مساعديه أيديهم في هذه العمائر و قلدوا فيها ما أرادوا تقليده و تخليده من مظاهر العمارة النباتية و اللبنية القديمة. فبنوا فيها أساطين (دعائم ضخمة) ذات أضلاع محدبة متجاورة تقلد سيقان الغاب المحزومة ذات العقل التي استخدمها اسلافهم لرفع سقوف المباني الخفيفة. و شكلوا أساطين ذات أضلاع مقعرة متجاورة تقلد أساطين شجرية قديمة تناولها إزميل النجار القديم بالتهذيب و التقعير الخفيف. و نحتوا أساطين ثلاثية المقطع تقلد سيقان البردي بتيجانها و أوراقها، كما نحتوا أساطين مقوسة المقطع تقلد نباتا غير معروف احبه أهل الصعيد في فجر تاريخهم القديم. و امتد التقليد إلى الأبواب و السقوف، فنحت المعماريون بإرشاد إيمحوتب أبوابا من الحجر على هيئة “الدلف” الخشبية المفتوحة، و بنوا الكمرات الداخلية الحاملة للسقوف على هيئة فلوق النخيل ذات المقطع نصف المستدير و بنوا هذه الفلوق متعاقبة الواحدة تلو الأخرى، حتى بدت كأنها حملت سقوفا من بوص و خشب و ليس من حجر.
و لم يقتصر المجهود المعماري في الهرم المدرج على جزئه الأعلى وحده، و إنما امتد إلى جزئه الأسفل، فشاد المعماريون حجرة دفن الملك من أحجار جرانيتية ضخمة، و قطعوا في الصخر الأم على جوانبها سراديب و غرفا كثيرة، كسوا بعض جدرانها بقراميد صغيرة محدبة من القيشاني الأزرق، و ثبتوا كلا منها في ملاط الجدران بثقبين صغيرين يمر فيها خيط من الكتان أو الجلد، و رصوا كلا منها إلى جوار الأخرى ، ليقلدوا بها هيئة الحصير الفاخر المجدول الذي كانوا يتخذونه في البيوت ستارا و زينة.
عمارة الهرم المدرج
بشكل عام شيد الهرم المدرج على ست مراحل من خلال إضافات جانبية و ليس كما يتصور البعض من أن المنشأة تتكون من ست مصاطب إحداها تعلو الأخرى. و بدأ العمل في الجزء السفلي و الذي يتكون من بئر يصل عمقه إلى حوالي 28م يؤدي إلى حجرة الدفن و مجموعة من السراديب و الممرات المنقورة في الصخر، ثلاثة منها تؤدي إلى مخازن لحفظ الأثاث، على حين يؤدي الممر الرابع إلى أربع قاعات غطيت جدرانها بتكوينات من القيشاني الأزرق.
أما فيما يتعلق بالمراحل التي مر بها الهرم المدرج فقد بدأ كمصطبة مدرجة يصل ارتفاعها 40م و يصل كل جانب من جوانبها 63م . و في مرحلة تالية زيد من جوانب المصطبة ثلاثة أمتار بحيث ظلت تتخذ شكل المربع. و كانت الإضافة الثالثة من ناحية الشرق لتتخذ المصطبة شكل المستطيل. و في المرحلة الرابعة جاءت الإضافات من كل جانب لتبدو المنشأة و كأنها مصطبة مدرجة يصل ارتفاعها إلى حوالي 43م . و في المرحلة الخامسة جرت إضافات من ناحيتي الشمال و الغرب ، و في المرحلة السادسة و الأخيرة جرت إضافات من كل جانب ليصل ارتفاع الهرم المدرج إلى نحو 60م ، و طول قاعدته 130م و عرضها 110م.
و إذا كنا قد قدمنا لهذه المجموعة ببعض التطور المعماري في أسلوب بناء أساطينها و أبوابها و سقوفها فما من بأس أن نعقب بخصائص أخرى مبسطة تعمدها المعماريون في بنائها، و من هذه الخصائص استخدامهم أحجار صغيرة الحجم . و تشييدهم مداميك الحجر في الهرم و المقبرة الجنوبية بشكل مقوس إلى أسفل جريا على عادة بنائي الطوب اللبن الذين يخشون إنزلاق الصفوف و تشقق الجدران لو بنوا مداميك اللبن أفقية مسطحة. و عدم إقامتهم للأعمدة المنفردة أو القائمة بذاتها و اكتفائهم بإقامة أنصاف الأعمدة تستند أو ترتكز على واجهات مبانيها أو تستند على دعائم نصفية ساندة. و قد يرجع هذا و ذاك إلى ذوق فني استحبوه أو يرجع إلى أنهم كانوا و لا يزالون في بداية عهدهم ببناء العمائر الحجرية و لم يكونوا مطمئنين تماما إلى استخدام الأحجار الكبيرة أو ترك الأعمدة أو الأساطين منفردة بذاتها. و منها أيضا استمرارهم في تقليد عمارة العناصر الخشبية و الطوب اللبن و لو لم تكن لها ضرورة إلا إظهار البراعة و استخدامها في الزخرفة . و كذلك بنوا سقوفا حجرية مقبية قلدت أقبية اللبن و النبات القديمة. كما شكلوا الحواف العليا لواجهات مقاصيرهم في خطوط حادة مائلة قلدوا بها أطراف أعواد الغاب و جريد النخل التي كانت تتداخل في بناء أكواخ العبادة القديمة و أسوارها، و بدأوا بها عنصرا معماريا مميزا يطلق عليه اصطلاحا اسم الكورنيش المصري. و استعاضوا عن بعض الأركان الحادة في واجهات مبانيهم بأركان ملفوفة تكفل التنوع المعماري من ناحية و توفر المساحة من ناحية أخرى و تظهر البراعة من ناحية ثالثة . و إلى هذا الحد يتضح كيف كان معماريو الأسرة الثالثة فنانين و لم يكونوا مجرد بنائين، و كيف كانت مشاعرهم ذواقة و أذهانهم مشحونة بحب التنوع، و لم تكن مجرد أذهان و مشاعر آلية عملية تسير على وتيرة واحدة جامدة، و كيف كانت أيديهم تهتم بكل تفصيل كما لو كان وحدة قائمة بذاتها دون أن تكتفي بالمظهر العام البسيط.

picture4

لوحة رقم (4) توضح فكرة بناء المصاطب التقليدية و تطورها إلى شكل المصطبة المدرجة أو الهرم المدرج

picture5

لوحة رقم (5) توضح جبانة منف و المجموعة الهرمية للملك زوسر التي صممها المعماري الفذ إيمحوتب 2630 – 2611 ق.م

و جرت المرحلة الثالثة من مراحل تطور المقبرة الملكية على أرض سقارة أيضا، و في عهد خليفة زوسر، ابنه الملك سخم خت إلى الجنوب الغربي من مجموعة أبيه. و كان من المفروض أن تمثل المصطبة المدرجة للملك سخم خت و التي تعرف “بالهرم الدفين” تمثل خطوة على الطريق نحو الوصول بالمقبرة إلى الشكل الهرمي الكامل. و قد رأى البعض إن تخطيطها يشير إلى أنها كانت ستتكون من سبع طبقات و ما عدا ذلك فإن المجموعة الخاصة بالملك سخم خت تماثل إلى حد كبير مجموعة أبيه الملك زوسر. و استفاد مهندس مصطبة الملك سخم خت في بناؤها و بناء سورها بالخبرة التي حصل عليها إيمحوتب و رجاله في بناء الهرم المدرج و مجموعته، فاستفاد من تجاربهم و بدأ بناءها و سورها وفق تخطيط مرسوم واضح. و استخدم فيها أحجار تزيد أحجامها عن أحجام أحجار هرم زوسر المدرج .
ثم جرت المحاولة الرابعة على أرض زاوية العريان الواقعة إلى الجنوب من الجيزة و إلى الشمال من أبي صير و لكنها ظلت هي الأخرى في نفس إطار المصطبة المدرجة التي لو اكتملت لأصبح عدد إضافتها يتراوح بين ست و سبع طبقات. و تحتفظ منطقة زاوية العريان بأثرين كبيرين، أحدهما معقد التركيب يسمى اصطلاحاً باسم الهرم ذي الطبقات. و الآخر بئر ضخمة منحوتة في الصخر بعناية أراد صاحبها أن يقيم فوقها هرما، و لكن لم يسعفه الأجل أو لم تسعفه الإمكانات المادية لتنفيذ مشروعه. و جرت عدة محاولات أخرى في أماكن متفرقة للوصول بالمقبرة إلى شكلها الهرمي الكامل على سبيل المثال في مناطق سيلا “على الحافة الشرقية للفيوم” و زاوية الأموات “جنوب المنيا” و الكولة “بالقرب من الكاب شمال إدفو”، و لكنها لم تضفي شيئا إلى المحاولات التي تمت من قبل.
و كانت المرحلة التالية هي تلك المرحلة التي جرت على أرض ميدوم “مركز الواسطى – بني سويف” إلى الجنوب من دهشور. ينسب هذا الهرم الذي يعرف باسم الهرم الناقص إلى الملك حوني آخر ملوك الأسرة الثالثة و الذي توفى قبل أن يتمكن من إكماله، فأكمله الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة. و يمثل هرم ميدوم مرحلة هامة في تطور المقبرة الملكية حيث زيدت مساحة قاعدته على مساحة قاعدة مصطبة زوسر المدرجة بحوالي الثلث، و وصلت الإضافات الجانبية إلى ثمانية لم يتبقى منها سوى أربعة. كما وصل ارتفاعه إلى حوالي 67م. و استفاد المعماريون من التجارب التي تمت في عهد الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة في إنشاء الهرم الكامل ذو الزوايا الحادة و الخطوط المستقيمة، و نفذوا هذه التجربة بإذن من الملك سنفرو على هرم أبيه الذي لم يكتمل بعد في عهد الملك حوني ، فملأوا الفراغات بين درجاته بالأحجار و كسوه ببلاطات كبيرة من الحجر الجيري ليكون مستوي الجوانب أو ليتخذ هيئة الهرم الكامل، و لا ندري مدى نجاحهم في تحقيق هذه الغاية، إذ تهدمت أغلب أجزاء الهرم و لم يتبقى منه غير نحو ثلث ارتفاعه الأصلي. و قد سقط هذا الكساء بمرور الزمن، و لهذا سمي بالهرم الناقص. و يتميز هرم حوني بأنه يضم أقدم مجموعة هرمية تقليدية، تلك التي تتكون من الهرم و المعبد الجنزي و معبد الوادي و يربط بينهما الطريق الصاعد.
و شهدت منطقة دهشور الواقعة إلى الجنوب من سقارة خطوة هامة نحو الوصول للشكل الهرمي الكامل، حيث مثلت أهرام سنفرو و ملحقاتها مرحلة جديدة من مراحل العمارة المصرية و العقائد المصرية في آن واحد. فلقد شاد مهندسو الملك سنفرو هرما في دهشور ليكون هرما كاملا منذ بدايته، و بدأوه بزاوية ميل مقدارها 54 و 14 ، و لكنهم بعد أن وصلوا بهذا الميل إلى ما يزيد عن 49م، أدركوا أنهم لو واصلوا البناء على ما خطط عليه أساسه سوف يرتفع الهرم إلى أكثر مما قدروا له أو أكثر مما تحتمل اساسات الهرم، و لا حظوا أن بعض الجدران الداخلية بدأت تتشقق بالفعل، فغيروا زاوية الميل إلى 43 و21 ، و أكملوا بناء هرمهم حتى بلغ ارتفاعه نحو 101.15م ، مما جعله يظهر في صورته النهائية منكسر الأضلاع على غير ما أراده صاحبه و على غير ما أراده مهندسه.
و نظرا للرخاء الذي تميز به عهد الملك سنفرو، مما جعل مهندسو هذه الفترة من استغلال هذه الإمكانات في تشييد هرم آخر شمالي الهرم المنحني بما يقل عن الكيلو مترين، و استفادوا فيه من تجاربهم في الهرم السابق، و بدأوه بزاوية ميل مناسبة تبلغ 43 و40 ، و عندما أتموه أصبح هرم كامل صحيح النسب حاد الزوايا مستوي الجوانب، و بلغ إرتفاعه 99م، و بذلك يصبح الهرم الشمالي للملك سنفرو أول هرم كامل في تاريخ عمارة الأهرامات . و يعرف هذا الهرم أيضاً بالهرم الأحمر نسبة إلى أن أحجاره تميل للون الأحمر و هي مقطوعة من محاجر الجبل الأحمر بالعباسية المكونة من الحجر الرملي الغني بـأكاسيد الحديد التي تصبغ أحجاره باللون الأحمر .

picture6

 

picture7

لوحة رقم (7) توضح مخططات لمراحل تطور المقابر الملكية وصولا إلى الشكل الهرمي الكامل في عهد الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة من خلال الهرم الشمالي بدهشور.

 

 

 

 

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

عمارة الهرم الأكبر

أختار الملك “خوفو” 2551 : 2528 ق.م.الذي خلف والده سنفرو هضبة الجيزة ليشيد فيها هرمه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *