الرئيسية / المواد العلمية / المبانـــي الأثريـــة / المقابر المنقورة في الجبل Rock cut tombs

المقابر المنقورة في الجبل Rock cut tombs

يقف الإنسان مبهورا أمام الإنجاز العظيم الذي حققته الحضارة المصرية القديمة و المتمثل في المقابر الملكية في الضفة الغربية للأقصر. و هي مقابر وادي الملوك، و وادي الملكات، و مقابر كبار رجال الدولة (الأشراف) . و ليس من شك في أن المهندس المصري و معاونيه الذي قام بتصميم المقبرة و العامل الذي قام بحفر المقبرة في الصخر و تسوية جدرانها و صقلها. كذلك الفنان الذي قام برسم المناظر أو زميله الذي قام بقشها ليس من شك في أن هؤلاء الأشخاص يستحقون منا كل الإعجاب .
و تعتبر المقابر المنقورة في الصخر نقلة جديدة في مقابر الملوك بالرغم من تداوله في كثير من مقابر الأفراد أو الأجزاء السفلية من مقابر الملوك السابقين ، حيث اكتسب المهندس المصري القديم و البنائين خبرات واسعة في كيفية اقتطاع الكتل الحجرية و تخليصها من مكامنها مراعين العلاقات الهندسية بين الكتلة و الفراغ و كذلك الإتزان الإنشائي لمدافن عميقة تحت سطح الأرض و التي تتألف من أكثر من محور يؤدي إلى غرفة الدفن و ملحقاتها عبر ممر منحدر يشكل أروقة أو أبهاء محفورا جزئيا أو كليا تحت سطح الأرض . و لقد جاء نقر المقابر في الجبل محققا لآمال ملوك الدولة القديمة في الحفاظ على أجسادهم بعيدا عن التلف لما تتسم به هذه المناطق الصحراوية من جفاف نسبي و بعدها عن مستوى المياه الجوفية . كما يسر لمنشئيها تضليل لصوص الآثار و الكنوز في العصور القديمة بأن يهيلوا على مداخلها كتل الصخور ليبدوا الموقع و كأن يد الإنسان لم تمتد إليه.
و كان الملك تحتمس الأول أول من أمر بنقر مقبرة له في وادي الملوك و التي جاءت في شكل بسيط تعتمد في تخطيطها على محور واحد ، تطورت فيما بعد إلى مقابر ذات محورين متوازيين يلتقيان عند نقطة أو يكونان معا زاوية قائمة ، ثم ظهرت المقابر ذات المحاور الثلاث يكون كل محور مع الأخر زاوية قائمة. و اتخذ مهندسو الدولة القديمة كل وسائل الآمان الإنشائي في تصميم مقابر هذه الدولة من توزيع الأحمال على البحور المتسعة التي تم تدعيمها بدعامات منحوتة في الصخر الأم ذات قطاعات مربعة أو أعمدة دائرية لتضفي جمالا على المقبرة الملكية. و من أبرز العناصر المعمارية الردهات الطولية و المستعرضة التي تؤدي إلى ممر طويل يؤدي بدوره لمقصورة يتضمن جدارها الخلفي مشكاة أو دخلة تضم تمثالا لصاحب المقبرة ، كما يوجد باب وهمي ، و هو باب رمزي ينفذ في الصخر و يتصدر حجرة القرابين و يتضمن مناظر تمثل صاحب المقبرة و أسرته، و يعتقد أن “الكا” (قرين المتوفي) أو الروح قد تنفذ من خلاله إلى جسد صاحبها. علاوة على حجرة الدفن و الحجرات الملحقة المخصصة للاحتفاظ بأحشاء الميت و التي كانت توضع في آنية تدعى كانوب “Canopes” و أخرى مخصصة للأثاث الجنائزي و كل ما هو ثمين من مشغولات كان يستخدمها المتوفي في حياته الدنيا.
و يمثل وادي الملوك جبانة ملوك الدولة الحديثة ، و يوجد به 62 مقبرة منها 26 مقبرة للملوك ، و الباقي لكبار المسئولين و بعض أفراد العائلات الملكية و الكهنة. و قد اختير هذا الوادي على وجه التحديد لعدة أسباب : سهولة الوصول من وادي النيل، كما تسهل حراسته حيث تحيط به التلال العالية . بالإضافة إلى جودة الحجر الجيري الذي تتكون منه جباله، و كذلك وجود جبل يرتفع جهة الجنوب على شكل مخروط أو “القرن” و الذي يمثل هرما طبيعيا . و هو الشكل الذي يرتبط عند المصريين بإله الشمس ” الإله رع” . و قد تغير تخطيط المقبرة الملكية و الطريقة التي تنقش بها على مدار الخمسمائة عام التي كان الدفن يتم فيها في وادي الملوك . و يمكن القول أن السبب في ذلك هو التغيير في تصور الكهنة لرحلة الملك في العالم الآخر. فتخطيط المقبرة ما هو إلا خريطة للطريق الذي سيسلكه الملك خلال هذه الرحلة و النقوش و النصوص على جدران المقبرة ما هي إلا كتاب لإرشاده أثناءها. فمعظم مقابر الأسرة الثامنة عشرة كانت شديدة الانحدار ذات مسقط أفقي على شكل حرف “L” ، أما في مقابر الأسرة التاسعة عشرة فقد كان محور المقبرة مستقيم و قل انحداره ، بينما كانت المقابر الملكية في الأسرة العشرين أصغر حجما و تكاد تكون مسطحة.
و استعان مهندسو هذا العصر بعمال المناجم في نحت تلك المقابر باستخدام الأدوات الحجرية، و كانوا يسكنون خلف الجبل في منطقة دير المدينة (ارجع إلى تخطيط المدن المصرية القديمة) . و كان يسكن هذه المدينة أيضا الفنانون الذين كانوا يقومون بكتابة النصوص و رسم النقوش في المقابر. و كان العمال يعملون في مجموعات و يستخدمون المصابيح الزيتية للإضاءة. و قد علمنا عن هؤلاء العمال و التقنيات التي كانوا يستخدمونها من خلال آلاف الشقافات و القطع المنقوشة التي عثر عليها في دير المدينة ، و يمكن أن نرى بوضوح مختلف مراحل نقش المقابر في مقبرة حور محب رقم 57 في وادي الملوك.
و أكبر مقابر وادي الملوك حجما هي مقبرة أبناء الملك رمسيس الثاني رقم 5 ، و تتميز بأن تخطيطها غير تقليدي حيث تضم غرف بعدد أبناء الملك رمسيس الثاني الذين بلغوا 52 ولدا و 32 بنتا و بها ما يربو من 7 دهاليز و تقع الحجرات على مستويين أفقيين . أما أكبر المقابر الملكية فهي مقبرة الملك مرنبتاح ، الأسرة التاسعة عشر و يتجاوز طولها 100م . و من أصغر المقابر الموجودة في الوادي مقبرة الملك توت عنخ أمون رقم 62.
و تتكون المقابر في خطوطها الأساسية من مدخل، و سلم منحدر، ثم ممر يليه حجرة الدفن و بعض الحجرات الجانبية. و يختلف العمق من مقبرة إلى أخرى وصل في مداه في مقبرة حاتشبسوت المنقورة في باطن الجبل إلى عمق يصل إلى أكثر من مائتي متر . و من أشهر مقابر وادي الملوك، مقابر حاتشبسوت، تحتمس الثالث، أمنحتب الثاني، أمنحتب الثالث، توت عنخ أمون، سيتي الأول، رمسيس الثالث، و رمسيس السادس.
و يمكن القول من خلال هذا العرض الموجز عن تطور الآثار المدفنية حتى نهاية الدولة الحديثة .. أن المصري القديم أبدى طوال هذه الفترة اهتماما كبيرا بمقبرته باعتبارها بيت الأبدية ، اهتماما من حيث التخطيط و صلابة مواد البناء و الحرص على تسجيل كل ما كان يمارس في دنياه من أنشطة على جدران مقابره و التي كان يتمنى أن تدب فيها الحياة كما ستدب فيه هو شخصيا.

picture19 picture18

لوحة رقم (12) توضح مخططات ثلاثية الأبعاد لمقابر الملوك سيتي الأول و توت عنخ أمون ، الخريطة الطبوغرافية لوادي الملوك توضح مداخل و تخطيط المقابر و الطرق المؤدية إليها. و لهذ الخريطة أهمية خاصة حيث تشرح تغير تخطيط المقابر الملكية في الدولة الحديثة، فهناك مقابر الأسرة الثامنة عشرة ذات المحور المنحني ، و غرف الدفن ذات الشكل البيضوي. و هناك مقابر الأسرة التاسعة عشرة ذات المحور المستقيم المنحدر. أما مقابر الأسرة العشرين فهي ذات محور مستقيم يكاد يكون أقرب إلى المستوى الأفقي عنه إلى المائل .

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

الآثار المدفنية

و إن كان قد توقف التطور بالنسبة لبناء مساكن الإيواء أو المنازل عند هذا الحد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *