المعابد

طبيعي أن تكون للآلهة دورا توضع فيها رموزها و تجرى لها فيها طقوس العبادة ، و من هنا جاءت فكرة المعبد، و منذ عصور ما قبل التاريخ بدأت تظهر ملامح أماكن مخصصة لعبادة الآلهة في صورة أكواخ بسيطة من أغصان الشجر و مدعمة بالطين و يتصدرها فناء مكشوف ربما كان يضم رموزا للمعبود. و أكملت مسيرة تتطور هذه المعابد مع تطور الإنسان، فمع بداية الأسرة الثالثة بدت ملامح تخطيط المعابد أكثر وضوحا عن ذي قبل، و يحل المعبد الصرحي محل المعبد القديم المتواضع . و من خلال ما تركه لنا المصريين القدماء من نقوش و كتابات هيروغليفية نتبين أن المعبد الأول كان عبارة عن كوخ تزينه الصواري. ومنذ أن يعتلى الملك العرش يحيط نفسه بقدسية تعطيه الحق في الحكم و يطلق على نفسه أنه أبن الإله لذلك كان هناك نوعين من المعابد ، تلك المرتبطة بالمجموعة الهرمية للملك ومنها المعبد الجنائزي و معبد الوادي . أما النوعية الأخرى فهي خاصة بالآلهة تجرى فيها طقوس العبادة لإله هذا المعبد كمعبد الشمس و معبد آمون.
و أخذت المعابد في التطور في عصر الدولة القديمة لتعطي فكرة عما كانت عليه المعابد اللاحقة على هذه الفترة، خاصة معبد الوادي الذي أقامه الملك خفرع و الذي كشفه العالم الفرنسي مارييت عام 1853م . شيد المعبد من الحجر الجيري و جرى تكسيته من الداخل و الخارج بالجرانيت. يتجه محوره من الشرق إلى الغرب ، و تميل سطوح جدرانه الخارجية قليلا إلى الداخل. و للمعبد مدخلان أحدهما في الطرف الشمالي و الأخر في الطرف الجنوبي يؤديان إلى ردهة طويلة ضيقة و هي التي عثر فيها على تماثيل الملك خفرع المنحوتة من حجر الدايوريت، و كلن كل منها موضوعا في حفرة عميقة.
و يتوسط الجدار الغربي باب يؤدي إلى صالة على شكل حرف T تتضمن 16 عمودا، كل عمود من كتلة واحدة من الجرانيت الوردي. و في الجنوب الغربي من صالة الأعمدة نجد دهليزا يطل عليه طابقان يتضمن كل طابق ثلاث قاعات ربما كانت تستخدم كمخازن. و في الركن الشمالي الغربي نجد ممرا يؤدي إلى الباب الخلفي الذي يؤدي بدوره إلى الطريق الصاعد الذي يبلغ طوله حوالي 500م حيث يتجه من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي. و قد رصفت أرضية المعبد بالمرمر.
و من أشهر معابد الآلهة التي أقامها ملوك الأسرة الخامسة للإله الشمس ، المعبد الذي شيده الملك ني وسر رع في أبو صير . و هو عبارة عن فتاء أو باحة يحيط بها ممر حجري تقوم في وسطها فوق مصطبة عالية مسلة حجرية ذات قمة هرمية مغشاه برقائق ذهبية يزيد ارتفاعها عن 20 متر . و يوجد إلى الشرق من المسلة مائدة القرابين، و إلى الجانب الجنوبي للمعبد يوجد بناء من اللبن يتخذ شكل مركب كان يضم مركبا خشبيا يمثل المركب الشمسي الذي يبحر به الإله كل يوم إلى السماء. و تتمثل العناصر الأساسية لمعبد الشمس في الطريق الصاعد الذي يؤدي إلى المعبد الرئيسي لإله الشمس و الذي يتكون من فناء تتوسطه مسلة يزيد ارتفاعها عن 20 مترا .

picture20

لوحة رقم (13): مخطط تخيلي ثلاثي الأبعاد لمعبد الوادي و المعبد الجنائزي و الطريق الصاعد للملك خفرع
أما عن معابد الدولة الحديثة فهي تتكون في تخطيطها العام من سور مشيد من الطوب اللبن و مرفأ (ميناء) لإستقبال السفن التي تحمل متطلبات المعبد ثم طريق كباش و مسلتين على يمين و يسار المدخل و تماثيل منتصبة و جالسة على يمين و يسار مدخل الصرح ، ثم الصرح الذي يتكون من واجهة ضخمة عريضة من أسفل و تضيق كلما علت، تتكون من برجين يتوسطهما المدخل. و تتضمن واجهة الصرح عدد من الدخلات تتراوح بين 2 – 8 كانت مخصصة لتثبيت أعلام المعبد. و يلي الصرح الفناء المكشوف ثم صالة الأساطين و ينتهي المعبد بقدس الأقداس . و من أهم معابد الآلهة في الدولة الحديثة معابد آمون في تل العمارنة ، و معابد الأقصر و الكرنك و معبد رمسيس الثالث بمدينة هابو و معبد الرامسيوم لرمسيس الثاني و معبد الدير البحري للملكة حاتشبسوت. و الأخير سوف نتناوله كحالة دراسية لسببين ، السبب الأول لانفراد هذا الطراز الجديد في بناء المعابد حيث لا يوجد بين المعابد ما يشابهه، إذ إنه يتكون من ثلاث شرفات تلي بعضها البعض في تدرج واضح . أما السبب الثاني لتناول هذا المعبد بالدراسة لموقعه بين حضن الجبل فمنه أجزاء تم تشييدها على سطح الأرض و أخرى كالمقصورة و ممراتها تم نقرها في عمق كتلة الجبل. قام بتشييد هذا المعبد المهندس العبقري سنموت أحد المقربين إلى الملكة و أبرز شخصيات عصرها. و لقد كرس هذا المعبد كغيره لإقامة الشعائر و تقديم القرابين إلى الملكة حاتشبسوت.
و يعتبر معبد الملكة حاتشبسوت من أهم المعابد أو الآثار التي تعكس العلاقة بين المباني التي شيدت على سطح الأرض بالطرق التقليدية في الإنشاء و بين تربة التأسيس أو البيئة الجيولوجية المحيطة بالأثر .

picture21

 

لوحة رقم (14): توضح المسقط الأفقي لمعبد الملكة حاتشبسوت المكون من ثلاث شرفات ، و قطاع رأسي للمعبد و علاقته بالتكوين الجيولوجي من حوله ، و صورة فوتوغرافية لواجهة المعبد من الجهة الشرقية

picture22

لوحة رقم (15): توضح تفاصيل من الشرفة العليا بمعبد الملكة حاتشبسوت و المشاكل التي تتعرض لها العناصر المعمارية نتيجة لإنتفاش الطفلة هناك.

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

الآثار المدفنية

و إن كان قد توقف التطور بالنسبة لبناء مساكن الإيواء أو المنازل عند هذا الحد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *