الرئيسية / المواد العلمية / المعادن و الصخور / حضارة مصر في المكان و الزمان

حضارة مصر في المكان و الزمان

 

 

 

إن بعض الإلمام بتاريخ حضارة مصر القديمة حتى و لو كان إلماماً سطحيا أمر لابد منه لإدراك أبعادها الزمنية و رسم حدودها الجغرافية و استقراء علاقة شعبها مع جيرانه في العصور الغابرة. و معرفة التواريخ السحيقة التي استعمل فيها كثيراً من مواد الأرض و قيام العديد من الصناعات عليها لمن الأهمية بمكان لإثبات أن تقنيات إنسان اليوم ليست إلا تطوراً لتقنيات الإنسان القديم و تجسيدا لإيماءاته و إيحاءاته التي سجلها على جدران الكهوف أو المقابر أو المعابد. و ما الاكتشافات و نتائجها و ما سعي العلوم على تنوع اختصاصاتها و مجالاتها لاستقراء الماضي و الوصول به إلى الحاضر الذي نعيش فيه إلا أكبر دليل على ذلك.
فمنذ بداية سعي الإنسان القديم للاستقرار و لتكوين جماعات فقرى و مدن مهد لنشوء الدول العصرية. انطلاقا من هذا التطور المتواصل و المستمر و استناداً إلى المعطيات الأثرية فإن حضارات العصور القديمة صادفت مراحل تطور يختلف بعدها الزمني من منطقة إلى أخرى وفقا لتاريخ استخدامها لأولى التقنيات التي أجمع الباحثون و العلماء على اعتبارها محطات فصل للأوجه الحضارية عند الشعوب، كاكتشاف النار، و معرفة الزراعة و الاستقرار، و استئناس الحيوان، و تشكيل الحجر ، و صناعة الفخار ، و صناعة المعادن التي بدأت باستخلاص النحاس و من ثم تصنيع البرونز ، ثم صناعة الحديد ، تلاها اكتشاف الآلة البخارية وصولاً إلى التطور المعجز الذي نحياه الآن في عصر السماوات المفتوحة . كما كان للتحولات المناخية دورها في نشأة و تكوين محطات تمركز الإنسان، و تعاقب العصور الدفيئة و العصور الباردة في غضون المليوني سنة الأخيرة ظهرت تأثيراتها الواضحة في إعادة تشكيل اليابسة و نحت تضاريسها من مرتفعات و منخفضات.
و استناداً إلى الشواهد الأثرية التي تلقى في عصرنا الحاضر ، و علمها اهتماما كبيرا لم يعد قاصرا على فئة أو نخبة من المثقفين. هذا العلم الذي بلغ أوج مراحل تطوره مع العلوم الحديثة التي تساعد على رؤية واقعية و قراءة جديدة للحضارات القديمة. و لكن كيف نحدد و نفهم علم الآثار اليوم ؟ أين يكمن و ما هو مجاله الحقيقي ؟ هل هو علم التاريخ ؟ هل هو علم تاريخ الفنون أم تاريخ العلوم ؟ أين هي مفاتيح هذا العلم ؟ و كيف يمكننا ، مثلا عند دراسة صرح فوق الأرض أو مقبرة تحت الأرض تحديد التقدم العلمي أو التقني لشعب ما ؟ كيف نستطيع من خلال دراسة قطعة نقدية ، تحديد الحالة الاقتصادية لمنطقة ما ؟ و كيف نستطيع توضيح و دراسة المعتقدات الدينية لشعب ما من خلال مذبح أو معبد أو نقش أو كتابة ….؟ و يمكننا أن نجيب هنا بالقول أن علم الآثار ما هو إلا مجموع كل الدراسات التي تساهم في بعث و أحياء أعمال الإنسان موضحة مراحل تطوره الحضاري منذ نشأته حتى اليوم . هذا العلم المرتبط بباقي العلوم داعما لمنجزاتها مؤكدا على تطورها بالشواهد الحسية و الواقعية ، أنه همزة الوصل بين الماضي و الحاضر و المستقبل…! نعم المستقبل .. حين بشر الأولون من خلال الشواهد الأثرية المحفوظة في المتاحف أو المنقوشة على جدران المقابر بمظاهر الحياة التي نحياها اليوم فهنالك نموذج خشبي لجسم طائرة محفوظة بالمتحف المصري تعلن عن عصر الطائرات و الطيران. كذلك ما سيقابله القارئ في هذا المضمار من تسجيل لكروية الأرض و المجموعة الشمسية بدون مسبار إلكتروني أو قمر صناعي . كما أن استخدامهم لتقنية أو صناعة تدحض الأحداث الحالية علمياً و منطقياً و انطلاقا من ثوابت عميقة الأصالة لتجعلنا نقف أمامها في دهشة و تعجب …!. و هنا يمكننا إيجاز مضمون علم الآثار بأنه علم يبدأ مع الإنسان و يتناول تفاعله مع محيطه الطبيعي و ما خلفه هذا التفاعل من شواهد توضح تطوره عبر العصور.
و انطلاقا من هذا التعريف الذي يعني دراسة كل ما خلفه الإنسان على سطح الأرض أو دراسة كل ما هو قديم يجب ألا نغفل مجهودات التخصصات الأخرى التي بحثت في السجل الزمني للعصور الغابرة سواء منذ نشأة الأرض نفسها أو نشأة الإنسان و تطوره مثل علوم الجيولوجيا و الأحياء و الأنثروبولوجيا ، و الجغرافيا الطبيعية و التاريخية …، حيث قدم كل علم من هذه العلوم رؤيته من زاويته الخاصة ، و رجع بها إلى ما قبل نشأة الإنسان بملايين السنين ، و تخير لهذه العصور أسماء و تعريفات تناسب دراسته و تفي بأغراضه. و لقد بدأ علماء الآثار حيث انتهى زملاؤهم أصحاب التخصصات العلمية في تصوير البيئة الطبيعية التي خضع المصريون الأوائل لظروفها و إيحاءاتها ، ثم تعاملوا معها حين تكاثفت أعدادهم تكاثفا نسبيا و وضحت حاجتهم إلى استغلالها. فمثلاً أفترض الجيولوجيون عدة أزمنة قديمة متصلة قدّروها بملايين السنين ، و اعتبروا آخرها و أقصرها هو الزمن الرابع Quaternary الذي ظهر الإنسان في أوله أو فيما قبله بقليل. و قسم الجيولوجيون الزمن الرابع إلى دهريين ، دهر البلايستوسين Pleistocene و تبلغ الفروق الزمنية بين النظريات المختلفة في توقيته عشرات الآلاف من السنين. و دهر الهولوسين Holocene الذي بدأ فيما يحتمل منذ أواخر الألف السادس قبل الميلاد. ، و امتد بعدها إلى العصور التي نعيش الآن في ظلها.
و لما كانت موضوعات هذا الكتاب تنصب على استغلال الإنسان لخامات الأرض من معادن و صخور في بناء حضارته كان من الضروري أن نضع تصوراً عن مكونات سطح القطر المصري فيما قبل ظهور الإنسان مباشرة أي فيما قبل الزمن الرابع . تمثلت هذه المكونات في صخور نارية مثل الجرانيت و الدايوريت و الدوليريت و البازلت و السماق، و أخرى متحولة عنها مثل الشيست و النيس . كما كان هنالك صخور رسوبية تمثلت في الحجر الرملي و الحجر الجيري و عقد الظران و الفلنت و البريشيا و أخرى متحولة عنها مثل الكوارتزيت و الآلباستر المصري و الرخام . و لم تكن هذه التكوينات الصخرية أو تلك تعني المصري الأول في شئ ، و لم يكن يستطيع أن يؤثر فيها بشيء و لكنه أخذ يحس بآثارها المختلفة حين أنتقل إلى حياة الجماعة.
و كان لتوالي الأحداث و التمايز الواضح بين استغلال خامات الأرض و تطورها من مكان إلى آخر أكبر الأثر في دفع الباحثين و علماء الآثار إلى وضع مقياس أو سلم زمني مقسم إلى دهور ليكون بمثابة دالة تهدي أو ترشد الدارس و لا يترك مسار هذه البحوث و الدراسات وفق الهوى أو الزمان أو المكان ، فقد تتوافر لجماعة أو فرقة ظواهر طبيعية تفوق غيرها في موضع أو مكان أخر تثري ملاحظات ساكني هذا الموضع أو المكان عن غيرهم في مكان آخر . و يقول برستد تأكيداً لذلك أن العصر النيوليثي

01_004

شكل رقم (1 ) : صورة جوية موقع عليها أهم المواقع الأثرية في مصر

Neolilithic في مصر و العراق كان قد انتهى في هاتين المنطقتين قبل أن ينتهي في الشمال الغربي لأوربا بحوالي 2000 عام [].
لذلك فلقد أطلق العلماء على الحضارات القديمة تسمية الحدث أو الاكتشاف أو الموقع الأهم في تاريخ تطور الإنسان و استخداماته لمواد الأرض وقسمت إلى : حضارات ما قبل التاريخ، و حضارات فجر التاريخ، و العصور التاريخية (الفرعونية).

 

 

 

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

العصور التاريخية Historic Ages

جاء عصر بداية الأسرات على اعتبار أنه كان أول عصر يقيني توارثت عرش مصر خلاله …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *