الرئيسية / المواد العلمية / المعادن و الصخور / العصور التاريخية Historic Ages

العصور التاريخية Historic Ages

جاء عصر بداية الأسرات على اعتبار أنه كان أول عصر يقيني توارثت عرش مصر خلاله أسرات حاكمة ارتبط فراعنتها بعضهم ببعض بروابط القرابة و صلة الدم. و يعتبر هذا العصر بداية العصور التاريخية في مصر التي قسمت إلى ثلاثة دول رئيسية تخللتهم مرحلتان انتقاليتان عرفتا بمراحل التدهور أو الاضمحلال . هذا و قد قسم المؤرخ المصري القديم مانيتون العصور التاريخية في مصر إلى ثلاثين أسرة تمثل كل منها بيتا مالكاً مختلفاً…الخ. و اختلفت الآراء حول توقيت بداية الأسرات اختلافا واسعا و لذا اكتفى كثير من علماء الآثار بتعيين بدايته إلى أواخر الألف الرابع قبل الميلاد في حين حددها آخرون مع بداية القرن 29 ق.م. أما عهد الأسرتين الأوليين فقد أطلق عليهما اسم العصر العتيق Archaic Period و من أهم ملوك هذا العصر الملك حور عحا – مينا الذي ينسب له توحيد المملكتين الجنوبية و الشمالية.
و بالأسرة الثالثة يبدأ عصر الدولة القديمة الذي استبدلت لبنات الطوب المستخدم في المباني الجنائزية بكتل من الأحجار الطبيعية حتى يتسنى لها البقاء و الدوام بما يخدم المعتقدات الدينية للمصري القديم ، و منذ تلك اللحظة أصبح استخدام الأحجار الطبيعية في العمارة التي تخدم المعتقدات الدينية كالمقابر و المعابد أمرا شائعاً . و تسجل جبانة منف أول عمل معماري كامل من الحجر الجيري سنة 2630 – 2611 ق.م . و كان لوفرة أحجار البناء في ارض مصر اثر كبير في أن يكون الحجر هو مادة البناء الأساسية التي يلجأ إليها المصريون لتشييد المباني الهامة لتصمد أمام تحدى الزمن . ومنذ أن قام إيمحوتب بتشييد مجموعة مباني المقبرة الملكية لزوسر في سقارة أستمر استخدام الأحجار بأنواعها المختلفة في أعمال البناء . و ساد استخدام الحجر الجيري بأنواعه في أعمال البناء إلى جانب البازلت و الجرانيت و الآلباستر . ومازالت بقايا بعض المحاجر المصرية القديمة في المعصرة وبنى حسن وأسوان وغيرها موجودة يمكن منها الاستدلال على الأساليب التي أتبعها المصريون القدماء في استخراج ما يحتاجون إليه من الأحجار. فلقد سجل تاريخ التحجير خلال عصور الدولة القديمة نشاطا واسعا في مجال استخراج الأحجار مما يدل على إلمام المصري القديم بالقواعد الهندسية التي لازلت تدرس حتى وقتنا الحاضر في كيفية اقتلاع الأحجار الضخمة من مكامنها سواء على سطح الأرض أو تحتها، و حفر الأنفاق العميقة في الهضاب المختلفة مؤسسين أحد أهم الفروع الهندسية الحديثة الذي يطلق عليها الآن اسم الهندسة الجيوتقنية Geotechnical Engineering (1)
و كانت الدولة القديمة بحق هي دولة بناة الأهرامات ، حيث تم بناء العديد من الأهرامات بهيئاتها المختلفة من مدرجة إلى منحنية فالهرم الكامل لملوك هذه الدولة، بداية من الهرم المدرج الذي بناه الملك زوسر بجبانة منف ، فهرم حوني بميدوم ، و الهرم المنحني الذي بناه سنفرو بجنوب دهشور ثم مجموعة الأهرامات الكاملة بهضبة الجيزة لملوك الأسرة الرابعة “خوفو -خفرع – منكاورع” و انتهاءً بهرم الملك بيبي الثاني في سقارة القبلية، لكي تربط بين العقيدة المصرية القديمة في البعث بعد الموت و الحياة الأبدية و الإعداد لها في فخامة مقابرهم ذات الشكل الهرمي، و قد استمر هذا العصر إلى نهاية الأسرة السادسة .
و المدة ما بين الأسرة السابعة و الأسرة العاشرة ، تعرف بالفترة المتوسطة الأولى و هي غامضة تخللتها منازعات داخلية.
و بحلول الأسرتين الحادية عشرة و الثانية عشرة ينشأ عهد الدولة الوسطى كما تطلق عليه مؤلفات علم الآثار، و كان عهد رخاء عظيم. ظلت الأهرامات سمة رئيسية لمقابر ملوك الدولة الوسطى كما كان الحال في الدولة القديمة و إن بنيت في هذه الفترة بالطوب اللبن مع بعض التدعيمات الحجرية. هذا و قد أحدث الملك منتوحتب الثاني انقلابا في طراز المقابر الملكية، فلقد نحتت مقبرته في الصخر بالدير البحري على شكل سرداب مائل يوصل إلى غرفة الدفن الملكية. و قد صار هذا الطراز من المقابر هو الشائع و المتبع بين ملوك الفراعنة منذ ذلك الوقت 2015-2010 ق.م. و كان هذا التطور في بناء المقابر أمراً حتمياً لما حدث لجميع أهرامات الدولة القديمة من سلب و نهب. أما العهد الذي يبدأ بالأسرة الثالثة عشرة و ينتهي بالأسرة السابعة عشرة فكان عهد اضطراب و انحلال، شمل فترة من السيادة الأجنبية تحت حكم ملوك الهكسوس، و تعرف بالفترة
المتوسطة الثانية.
و قد آذن مجئ الأسرة الثامنة عشرة ببدء عصر الدولة الحديثة أو عصر الإمبراطورية، و التي تمتعت مصر خلالها بأزهى حضاراتها القديمة على يد ملوك الأسرة الثامنة عشرة و التاسعة عشرة و العشرين، حيث تأثرت المباني الجنائزية في كل من العاصمة و المدن الرئيسية في مصر العليا بوجود مصادر هائلة من الحجر الرملي النوبي Nubian Sandstone ، حيث أصبح هو السمة الرئيسية في تشييد تلك المباني. كما تفنن أهل الدولة الحديثة في استخراج الجرانيت من حول أسوان و الجزر النهرية القريبة و توظيفه في تشكيل التماثيل الضخمة و المسلات. و بجانب المعابد المشيدة من الحجر الرملي النوبي تعتبر المسلات و التماثيل الجرانيتية الضخمة من أهم سمات هذه الدولة. كما فتحت مصر البلاد التي تعرف الآن بفلسطين و سوريا، و أصبحت ذات نفوذ عظيم في غربي أسيا و نشطت حركة التجارة و تبادل السلع خلالها. و بانتهاء الدولة الحديثة نتيجة لضعف الأسرة الحادية والعشرين تفككت الإمبراطورية.
دخلت مصر في فترات ما بين التفكك الداخلي و الاحتلال الأجنبي و عرفت هذه الفترة من الأسرة الثانية و العشرين إلى أواخر الأسرة الخامسة و العشرين بالفترة المتوسطة الثالثة ، و التي حكم مصر في بدايتها الليبيون و في نهايتها النوبيون. و في عهد الأسرة السادسة و العشرين استعادت مصر استقلالها و رفاهيتها بعد أن عانت من غزوات الأشوريين، ثم جاء بعد ذلك الغزو الفارسي في الأسرة السابعة و العشرين. و في الفترة الموصلة حتى الأسرة الثلاثين حصل المصريون على استقلال وقتي من حين إلى آخر، و لقد عرفت الفترة من الأسرة السادسة و العشرين إلى الأسرة الثلاثين في السلم الزمني لتاريخ مصر باالعصر المتأخر.
وتنتهي دولة الفراعنة و يغزو الإسكندر المقدوني مصر حيث كلف مهندسه نوقراطيس ببناء عاصمة جديدة لمصر فأختار منطقة Rc-Kd-t  (كوم الشقافة الحالية) لتكون موقعا لهذه العاصمة الجديدة و بالفعل بدأ في بناء المدينة الجديدة التي حملت اسم الإسكندر الأكبر في عام 331 ق.م .
و يؤول حكم البلاد بعد موت الإسكندر الأكبر إلى قائده بطليموس بن لاجوس، فبدأت بذلك مرحلة جديدة من تاريخ مصر كانت فيها البلاد واقعة تحت تأثير الثقافة و الحضارة الهيلينية[]. وأستمر البناء في مدينة الإسكندرية في عهد بطليموس الأول و أستكمل في عهد بطليموس الثاني فصارت أهم و أكبر مدن القطر و كانت تضم خمسة أحياء أهمها الحي الملكي و كان يسمى (  ) و كان يضم المعابد، و القصور، و النافورات، و الحدائق، و صالات الألعاب. أما الحي الثاني فكان يسمى (  ) وهو حي الطبقة الأرستقراطية من الإغريق، و الحي الثالث كان يسمى (  ) وكان يقطنه العامة من الإغريق. بينما الحي الرابع كان يسمى (  ) وهو حي الجاليات الأجنبية (اليهود–السوريون–الفرس)، والحي الخامس و الأخير كان يسمى (  ) وهو حي المصريين هذا بالإضافة إلى الجبانة ( مدينة الموتى ) و كانت تقع خارج أسوار المدينة. و في هذه الفترة نشطت محاجر الحجر الجيري خاصة المحجر الواقع بالقرب من مدينة بطلمية . ولكن الاهتمام بالحجر الرملي فاق الاهتمام بالحجر الجيري إبان الحكم البطلمي و استخرجت الأحجار الرملية من محاجرها جهة السلسلة بالقرب من إدفو و خاصة عند قرطاس، و بنيت منها أجمل المعابد هندسة و رونقا . هذا إلى جانب تعمير كل من الصحراء الغربية و الشرقية وإنشاء المعابد كمعبد الإله آمون بواحة سيوة .
و مع بدء احتلال الرومان لمصر أدخل استعمال الطوب المحروق Fired brick لأول مرة في المباني فشاع استخدامه بعد ذلك . كما استبدلت مونة الطين والجبس المكلس المستخدمة قديما في ربط الكتل مع بعضها بمونة الجير الشائعة الاستعمال في أوربا في ذلك الوقت لمناسبتها للجو هناك . كما أنفرد الرومان عن سابقيهم في استخراج الجرانيت ذي اللون الرمادي و المعروف باسم ” مونت كلود يانوس” و استخراج البروفير الأحمر المعروف باسم السماق الإمبراطوري من جبل الدخان و استخدامهما كعناصر معمارية تجمع بين وظيفتي الإنشاء و الزخرفة .
و كما لعبت المعتقدات الدينية دورا هاما و مؤثرا في توجيه العمارة الفرعونية، نجدها أيضا تؤدى نفس الدور في توجيه العمارة الإسلامية، و لقد واصل المصري إبداعاته الإنشائية بما تركه له سلفه من حس فني بعد الفتح الإسلامي لمصر. و لقد شهدت عمارة مصر الإسلامية في العصور الوسطى تغييرات عديدة في أنواع المباني وأساليب الإنشاء. واستمر الحجر هو مادة البناء الرئيسية إلى جانب استخدام الطوب المصنع من الطين المحروق و المعروف باسم الآجر في بعض العناصر مع تطور الأشكال المعمارية وأساليب البناء في الفترات الزمنية المختلفة.
كما ساد استخدام الأحجار الطبيعية في إرساء الأساسات التي كان يراعى فيها أن تكون من الحجر الجيري الذي يرسو على أعماق كبيرة في حالة ما يكون البناء في موقع به طمي النيل. و بتواصل العصور الإسلامية بدأت تتجه العمارة الإسلامية إلى استخدام الحجر الجيري في مبانيها إبان الحكم الفاطمي و الأيوبي . و يسجل كل من مقياس النيل و مشهد الجيوشي أول عملين معماريين من الحجر الجيري. كما شرع صلاح الدين في بناء قلعة الجبل التي تشرف على القاهرة عام 1176م ، بالإضافة إلى تقوية السور المحيط بالقاهرة و بناء سور ضخم جديد يصل ما بين السور القديم و بين القلعة من الحجر الجيري أيضا.
و لقد ازدهرت العمارة الإسلامية أيما ازدهار في عهد المماليك البحرية، و ظهرت في البداية تأثيرات سورية و بعض التأثيرات الفارسية و الأندلسية، سرعان ما تمصرت آخذة طابعا خاصا بها مؤكدة بذلك قدرة المصري الإنشائية و حسه الفني الرفيع.
تميزت العمارة الإسلامية في مصر، خلال العصر الإسلامي (640-1517م)، بأشكالها الحقيقة الناتجة عن ظروف الحياة و متطلباتها، و النابعة من بيئتها و المعبرة عن أحوالها، فهي لم تكن تقليداً أو زيفاً أو إدعاء. و كان الدافع إلى ذلك، نواحي روحية و إيمانية هي من روح الإسلام عقيدة الشعب فكانت بمثابة القوة الدافعة التي نهضت بالحركة العمرانية الواسعة في تلك الفترة.
أما بعد الفتح العثماني لمصر فقدت مصر استقلالها، و تدهورت أحوالها و أنعكس ذلك على العمارة و فنونها فتحولت عن أصولها و غزتها بعض التفاصيل المعمارية العثمانية، فأنحصر استخدام الأحجار الطبيعية في البناء، و شاع استخدام الطوب الملون المعروف باسم الأنجور في بناء المساجد و المباني العامة في القاهرة و المدن الرئيسية كالإسكندرية ، المحلة الكبرى ، دمياط ، المنزلة ، المطرية ، رشيد و في بعض مدن الوجه القبلي و الفيوم.
و بدخول مصر في القرن التاسع عشر، ظهرت للعمارة المصرية اتجاهات مختلفة و متنوعة، حيث اتجهت نحو التقليد و النقل من الطرز الأوربية المختلفة باعتبار ذلك مظهر من مظاهر مجاراة مدنية و حضارة أوربا بعد الانقطاع الذي دام بين مصر و العالم الخارجي إبان فترة الحكم العثماني. و كان النشاط العمراني في مصر في تلك الحقبة، متجه نحو التقليد و النقل و الاقتباس، حيث اجتاحت مصر موجة من التأثيرات الغربية و غلب طابع الطرز الأوربية المختلفة، فكان الاهتمام بالشكل وطرزه و ليس بالمغزى الحقيقي له و وظيفته و الغرض منه، فأصبحت العمارة بالتالي، تفاصيل مأخوذة من الطرز الأوربية يختارها المعماري تبعاً لهواه أو تحقيقا لرغبة المالك يكسو بها المبنى كأنها أقنعة مستعارة [].
و يمكننا تحديد بداية هذا الاتجاه – نحو تقليد و نقل الطرز الأوربية في مصر – منذ عهد ” محمد علي ” ، حيث استعمل طراز خليط من جنوب أوربا و تركيا يعرف بالطراز الرومي. تبع ذلك التوسع في استخدام الطرز الأوربية الأخرى المختلفة مما أحدث فوضى معمارية اجتاحت مصر في القرن التاسع عشر، و كان من بين هذه الطرز الطراز اليوناني المستحدث (neo-Greek style) ، و طراز عصر النهضة المستحدث (neo-renaissance style)، و طراز الباروك المستحدث (neo-baroque style)، و الطراز التلقيطي (eclectic-style) ، و طراز المستعمرات الأوربية (colonial style).
و يتبين من السرد الموجز الذي سبق إيراده، أن مصر تعرضت لعصور متعددة في تاريخها، دام بعضها مائتين أو ثلاث مئات من السنين، و لا نعرف عنها سوى النذر اليسير، بل إن العصور التي نعرف عنها بعض الشيء لا تزال معلوماتنا عنها ناقصة كثيراً، و إزاء هذه الثغرات يكون من غير المنطقي إيراد أي بيان قاطع عن أقدم أو أحدث تاريخ أنتجت أو استخدمت فيه مادة من المواد. و كل ما يستطاع الخروج به من هذا السرد هو تمرس المصريين و اكتساب خبرات ربما لم تتوفر لغيرهم من الشعوب في تشغيل خامات الأرض للوفاء بمتطلباتهم الحياتية و العقائدية .

 

03_002

شكل رقم (2) :السلم الزمني للحضارة المصرية مع خريطة مصر موقع عليها تتابع المواقع الحضارية في مصر منذ ما قبل التاريخ

 

 

03_002

شكل رقم (2) :السلم الزمني للحضارة المصرية مع خريطة مصر موقع عليها تتابع المواقع الحضارية في مصر منذ ما قبل التاريخ

 

 

 

 

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

حضارات-فجر-التاريخ-protohistoric-civilizations

و أتى بعد هذه العصور الحجرية، عصر آخر، بزغ في أوله فجر معرفة المعادن عندما …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *