أصل و تركيب الأرض

 

 

 

أن الغاية الأساسية من ربط الدراسات الجيولوجية سواء بدراسات علم الآثار أو علم صيانة و ترميم الآثار هي تفهم تاريخ المواد الأثرية من وجهة النظر العلمية و استكشاف الحوادث التي مرت على الأثر منذ نشأته حتى اليوم . و هذه هي رسالة الدراسات الأكاديمية لفرض نظريات ذات أسس علمية و موضوعية و ليس مجرد تجميع أو استكمال أو تدعيم للمنشأ الأثري دون إدراك و فهم للعمليات التي تسببت في تداعيه و انهياره . و تعتمد الدراسات الأكاديمية لفرع صيانة و ترميم الآثار في تحقيق رسالتها هذه على كل المعلومات الدفينة التي نتزود بها بين الفينة و الفينة بلمحات ضوئية في سراديب الماضي السحيق . و استخلاص النتائج التي تكشف عنها الدراسات المختلفة في جميع الأنواع الأخرى للعلوم التطبيقية مثل علوم المعادن ، و الصخور ، و الحفريات ، و الجيولوجيا التركيبية ، و الطبقات ، و غير ذلك . فهي تستعمل كل هذه المعلومات ثم تستنتج من تفهمها طبيعة الظروف و تسلسل الأحداث التي مرت بأصول هذه المواد التي قد تمتد إلى نشأة الأرض نفسها و ترتيبها ترتيبا زمنيا لحساب عمرها و التحقق من التغيرات التي طرأت عليها.
و لا يمكن أن تستقيم الأمور لدراسة المعادن و الصخور الممثلة للوحدة البنائية لمواد الآثار دون التعرض لفهم كيفية نشأة هذه الخامات المرتبطة بنشأة الأرض.نفسها و هذا ينقلنا إلى سؤال هام جدا كيف ظهرت الأرض في الوجود و بداية ظهورها هل ارتبط بميعاد يمكن تحديده ، أم هي أزلية في هذا الوجود لا يعرف لميلادها تاريخاً ؟.لقد حير هذا السؤال فهم و إدراك المفكرين منذ أقدم العصور ، و تفاوتت الأفكار القديمة في الإجابة عنه أيما تفاوت فبينما ظن فريق من الناس و أهمهم البراهمة من الهنود أن الأرض أزلية ليس لتاريخها بداية و نهاية ، في حين أعتقد أغلب الناس أن الأرض خلقت في ميعاد معين اجتهدوا في محاولة تحديده ، حتى أن الأسقف الايرلندي “أشـر  Ussher” و هو من رجال الكنيسة في القرن السابع عشر قد حدده بيوم 26 أكتوبر سنة 4004 ق.م. في تمام الساعة التاسعة صباحا ، و قد أعلن هذا الأسقف أنه توصل إلى معرفة هذا التاريخ من حسابات كثيرة استقاها من دراسته للمخطوطات المختلفة للعهد القديم …!. و لم تلق أزلية الأرض رواجا كبيراً في أي عصر من العصور ، أما فكرة الخلق و نشأة الأرض فقد تطورت بمرور الزمن و أوحت إلى الأذهان بالتفكير و البحث في أصل الأرض و نشأتها الأولى . و ظهرت نظرية السديم أو سحابة الغبار العظمى و نظرية النجوم المزدوجة لفريد هويل Fred Hoyle و غيرهم من النظريات و الفرضيات العديدة التي تناولت بدايات نشأة كوكب الأرض و أكثرها استحساناُ فرضية فيتزكر Weitzacker Postulating التي تفترض أن كوكب الأرض نشأ باتحاد عدد كبير من الكويكبات الصغيرة بعد الانفجار العظيم للشمس و تناثر مكوناتها في صورة كويكبات صغيرة ، و بتصادم هذه الكويكبات و تجمعها نتج عنها طاقة حركية ،  Kinetic Energy  التي أضيفت إليها بطبيعة الحال الطاقة الناتجة عن العناصر المشعة Radioactive Elements و بسرعة تسببت هذه الطاقة في ارتفاع درجات الحرارة التي بدورها تتفرق أو تتبدد في الفراغ في صورة إشعاعية . و مع نمو الكتلة الناتجة من اتحاد هذه الكويكبات لم يتح لكثير من الطاقة الحرارية المتولدة أن تتبدد في الفراغ بل على العكس احتجزت في مادة الكويبكات المتمثلة في الصخور الثابت علميا عجزها عن توصيل الحرارة . ونتج عن تراكم هذه الطاقة الحرارية و تضخمها صهر معدني الحديد و النيكل كمعادن ثقيلة تركزت بدورها في لب الأرض Core كنواه مستقلة في شكل طور سائل ( الصهير Magma ). يلي اللب غلاف خارجي يعرف باسم الوشاح Mantle . يلي الوشاح نطاق القشرة الأرضية Earth’s Crust .
و لقد أهتم الكثير من العلماء على مختلف العصور بهيئة الأرض و نطاقاتها و طبيعة مكوناتها و استخدموا تقسيمات مختلفة لتحديد نطاقات الأرض و استخدموا لها تسميات مختلفة كالليثوسفير Lithosphere و السينوسفير Asthenosphere و الميسوسفير Mesosphere و اللب Core إلا أكثر هذه التقسيمات شيوعا هو تقسيم الأرض إلى ثلاث نطاقات رئيسية هي :

 

04_002

 

شكل (1) : يوضح نتائج الدراسات الحديثة المجموعة الشمسية مع الأرض و نطاقاته الداخلية و بعدها من القشرة الأرضية

 

05_002

 

شكل (2) : يوضح تصورات علماء المسلمين عن شكل الأرض و علاقتها بالكواكب من حولها سفر معرفة نامة Ma`rifat-nama في موسوعة العلوم الإسلامية 1195هـ ( مكتبة سراييفو الوطنية )

 

1-    القشرة الأرضية     Earth’s Crust
2-    الوشاح                     Mantle
3-    اللب                          Core

و على الرغم من أن التقسيم السابق هو الشائع إلا إنه لا يعكس حقيقة واقع نطاقات الأرض و حالتها التي أظهرتها الدراسات الأخيرة باستخدام التقنيات الحديثة من الطرق الجيوفيزيائية و الاستشعار من بعد Remote Sensing و تحليل صور الأقمار الصناعية Satellite Image و غيرها من التقنيات الحديثة . مما دعا الكثير من مراكز البحوث العالمية مع بدايات السبعينات إلى دراسة التتابع القشري العميق كالسوفيت الذين وصلوا بدراساتهم إلى عمق 12 كم و كذلك الأمريكان (COCORP) في دراستهم لرد فعل التتابع الطبقي القاري باستخدام الموجات فوق الصوتية إلى استخدام تقسيم حديث قسم نطاقات الأرض إلى 7 أقسام كالتالي :
1.    طبقة القشرة
2.    الوشاح العلوي  Upper Mantle
3.    الحد الانتقالي بين الليثوسفير و السينوسفير
4.    الوشاح السفلي Lower Mantle
5.    اللب الخارجي Outer Core
6.    المنطقة الانتقالية بين اللب الخارجي و اللب الداخلي
7.    اللب الداخلي Inner Core
أن وضع القشرة الأرضية التي نعيش عليها بين ما يعلوها من جو هائج و بحر مائج و بين ما يغور تحتها من طوفان ناري لا يهدأ – يجعلها فريسة بين أنياب العوامل الخارجية و العوامل الداخلية – فالعوامل الداخلية تشترك في بنائها و تشكيلها على هيئة جبال و هي في نفس الوقت تهشمها و تصدعها في هيئة تراكيب معقدة ثم يأتي دور العوامل الخارجية التي تزيد من تحاتها و تفتتها ثم تنقل حطامها إلى الأحواض البحرية و المحيطات لتكون منها صخورا رسوبية أخرى لتصبح دورة لا أول لها و لا آخر منذ أن تكونت للآرض قشرة صلبة .
و صدق من قال انه إذا كان هناك شي ثابت على وجه الأرض فهو التغير . و لقد وصف “أدوارد سوس” أحد أئمة علماء الجيومورفولوجيا هذا التغير المستمر في وجه الأرض بتعبيره الخالد ” أن هذا الكوكب يطالع الشمس عندما تشرق عليه في كل يوم بوجه جديد ” و لكن هل الشمس هي المسئولة فعلا عن هذا التغير ؟ فهي مصدر جميع الطاقات التي تحرك عوامل الهدم أو البناء على الأرض سواء كانت عوامل خارجية أو داخلية . فحرارتها هي منشأ جميع أنواع الحركة في الغلافين الجوي و المائي للأرض ، كما أنها هي أصل الطاقة المخزونة في باطن الأرض منذ أن أنفصلت الأرض و الكواكب جميعا في أول الأمر عن الشمس .
لذلك سنقصر دراستنا في هذا الجزء على إعطاء نبذة مختصرة عن طبيعية كل من الأغلفة الأرضية المختلفة التي تقسم الأرض إلى عدة نطافات أو أغلفة ( Spheres ) متحدة المركز ، أكثفها مادة اللب الداخلي و أخفها الغلاف الخارجي أو الهواء. و الواقع أن هذا التقسيم النطاقي للأرض لا يعني أن الأغلفة الأرضية المختلفة مستقلة عن بعضها البعض تمام الأسيقلال ، و لكنها تتدرج و تتداخل فيما بينها عند حدودها ، و سنرى فيما بعد كيف أن العمليات الجيولوجية الهامة تنشأ أساسا من هذا التداخل . و الأغلفة الأرضية المختلفة هي على الترتيب بداية بأخفها و أفصاها من الخارج :

•    الغلاف الجوي Atmosphere
•    الغلاف المائي Hydrosphere
•    الغلاف الصخري Lithosphere
•    الوشاح Mental
•    لب الأرض Centrosphere
و يوجد غلاف آخر سنوضح ترتيبه بين هذه الأغلفة فيما بعد و هذا هو الغلاف الحيوي ( Biosphere ) .

 

 

 

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

شاهد أيضاً

حضارات-فجر-التاريخ-protohistoric-civilizations

و أتى بعد هذه العصور الحجرية، عصر آخر، بزغ في أوله فجر معرفة المعادن عندما …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *