الهدف من البحث

يهدف هذا البحث في المقام الأول إلى كشف النقاب عن طرق البناء القديمة و المونات التقليدية المستخدمة في أعمال التشييد و البناء بعدما كثر حولها النقاش و الجدال في طبيعة هذه الخامات و خصائصها و للإستفادة بها في أعمال الصيانة و الترميم بعد إخفاق كثير من المونات الحديثة في أداء هذا الدور . و كان عدم التجانس بين طبيعة و نسيج الخامات القديمة و المواد الحديثة سببا جوهريا في رفضها لتلك المونات متمثلة في مونات الأسمنت و الاضافات البوليمرية . أدى هذا الإتجاه إلى عودة التفكير مرة أخرى في إحياء استخدام المونات التقليدية القديمة و التي ثبت صلاحيتها على مدار قرون عدة تمثلت هذه الصلاحية في بقاء الأثر قائما حتى هذه اللحظة بالرغم من تعرضه للعديد من عوامل التدهور و التلف القاسية . و من ثم بدأ محاكاة المونات القديمة في كثير من المواقع الأثرية مع بداية القرن 20 و استخدامها في أعمال الإصلاح و الترميم كما حدث مع كثير من الأثار الإسلامية من خلال لجنة حفظ الآثار العربية ، أو الآثار الفرعونية من خلال بعثات التنقيب و الترميم كما حدث لتمثال أبو الهول و الكثير من المواقع بمعبد الكرنك على يد كل من باريز ، و ليجران 1891 م . و كان لإستخدامات لجيران و باريز و لجنة حفظ الآثار العربية في بداية القرن المنقضي لمخاليط العديد من المونات التقليدية و دخول مادة الأسمنت البورتلاندي ضمن هذه المونات فرصة عظيمة لتقييم فاعلية هذه المونات و مقارنتها مع المونات الأصلية و ما يستخدم الآن من مونات في الحقل الأثري من خلال مشروع إحياء القاهرة التاريخية و أعمال الترميم التي تتم لمبانيها . خاصة و أن ما يتم الآن في مشروع القاهرة التاريخية مسند إلى القطاع الخاص الذي بطبيعة الحال يهدف في المقام الأول إلى المكاسب المادية بعيدا عن القيمة التاريخية و الأثرية و الفنية للأثر بالرغم من المحاذير الكثيرة من قبل المنظمات و الهيئات الدولية المنوط بها الحفاظ على التراث الإنساني . أدى ذلك كله إلى محاكاة المونات التقليدية القديمة في المظهر و الشكل دون التأكد من تقنيات الصناعة و جودة المنتج إعتمادا على قصور المفاهيم و تعدد الأراء حول طبيعة هذه المونات و أصول خاماتها و نسب خلطها و ميكانيكيات تفاعلاتها الداخلية فيما بينها و بين مادة الأثر الأصلية . وكان من أهم أسباب تراجع تقنيات البناء بالمونات التقليدية إنتشار نظام البناء الهيكلي و استخدام مونة الأسمنت الحديثة الذي وفر إمكانية التوسع الرأسي . و كانت المونات التقليدية قد وصلت إلى مرحلة من التطور وإكتساب سمات و خصائص تتوافق مع خصائص باقي المواد الإنشائية من أحجار طبيعية و آجر و أخشاب انشائية و كذلك تتوافق مع المتطلبات البيئية من حولها و تفي بالغرض المطلوب منها تجاه ساكني هذه المباني . لذلك كان لزاما عمل هذا البحث في محاولة جادة لكشف الغموض عن التقنيات القديمة في صناعة مواد البناء التاريخية كمطلب تتبين أهميته الآن بعد إخفاق التقنيات الحديثة في صيانة و ترميم المباني القديمة لعدم تجانسها مع موادها الإنشائية و تقنيات إنشاءها.
و تختلف كل من هذه المونات عن الأخرى من حيث تركيبها و سلوكها و استعمالها والتي سنقدمها بشكل مفصل بغية الأستفادة منها أن أمكن في أعمال الترميم و الصيانة التي تتطلبها المباني الأثرية .

عن الدكتور عبد الفتاح البنا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *